نحتاج إلى وزراء سياسيين قادرين على وضع حلول للخروج من هذا المأزق
عالية المهدى: تسهيل إجراءات الاستثمار وخلق مناخ تنافسي.. أبرز الحلول
ضبط الإنفاق العام والتحكم فى الإصدار النقدي .. وتقليل الاقتراض الداخلي والخارجي
أكمل قرطام: لا حديث عن إصلاح اقتصادي دون وجود إصلاح سياسى
طلعت خليل: إعادة النظر في قانون المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية
محمود العسقلاني: غياب الرقابة التشريعية الكافية يسهم في تفاقم الأزمات الاقتصادية
تحرير سعر الصرف ..رفع أسعار الوقود ..إلغاء الدعم ..زيادة معدلات التضخم..سياسات وقرارات نفذتها الحكومة جعلت المواطن يئن نتيجة لتزايد الأسعار.. ولم يعد قادرا على تحمل ارتفاع جديد فى الأسعار .. والسؤال ما تأثير ارتفاعات أسعار السلع والخدمات على المناخ العام ومعدلات التنمية ؟!.. وهل سيؤدى ارتفاع أسعار السلع إلى مزيد من الارتباك فى ميزان المدفوعات ؟!..وهل الحكومة قادرة على اتخاذ تدابير جادة للحد من الزيادة ؟..وهل يمكن وضع استراتيجية عاجلة للمواءمة بين الأسعار والخدمات ؟!..طرحت هذه التساؤلات خلال الندوة التى عقدها حزب المحافظين بعنوان «ارتفاع الأسعار ..الأسباب والآثار والحلول».
السياسات الاقتصادية
بدأ د.جودة عبد الخالق، وزير التضامن الأسبق ورئيس اللجنة الاقتصادية بحزب التجمع، حديثه ببيت شعر يصف به حالة الاقتصاد المصرى قائلا: لا يستقيم الظل والعود أعوج، مشيرا إلى أن الظل هو الاقتصاد, والعود , هو السياسات الاقتصادية التى بدون تحديدها وتطبيقها, سيظل الاقتصاد المصرى فى وضع الهشاشة والتبعية.
وتابع إننا لا يمكن أن نتحدث عن اقتصاد قوى إذا استمر الوضع السياسي كما هو عليه، موضحا أن الاقتصاد المصري يعاني من الهشاشة, ولذلك نجد أن أي متغيرات تحدث على المستويين العالمي والإقليمي نتأثر بها, مؤكدا أن الاقتصاد الناجح يتطلب التركيز على ذراعين لا ثالث لهما وهما الزراعة والصناعة. وأوضح أن قضية التضخم وغلاء الأسعار ليست مشكلة اقتصادية بحتة، ولكنها تنعكس أيضا على الحالة الاجتماعية والأجور في المجتمع.
وأشار إلى أن تحرير سعر الصرف والدين الداخلي والخارجي الذى يتراكم سنويا وراء تزايد الأسعار وارتفاع معدلات التضخم .
وقال د.جودة: طالبت فى الحوار الوطنى بضرورة وضع آلية وطنية لحل مشكلة سعر الصرف, وللأسف لم أجد جدوى من الحوار, ولذلك قررت تجميد نشاطي فى الحوار الوطنى.
وأشار إلى أن فى مشكلة ارتفاع الأسعار علينا أن نتساءل من يضع السياسية الاقتصادية فى هذا البلد، مشيرا إلى أن هذه السياسة تجعل الكتلة الهائلة من المصريين تعانى من أجل مواصلة الحياة وتوفير الحد الأدنى للحياة.
وأكد د.جودة أهمية منع الاحتكارات من خلال تعديل قانون حماية المنافسة حتى نمنع أن يتحكم فى السوق المحتكرين, لأن من أهم آليات مواجهة ارتفاع الأسعار هى منع الاحتكار ولكن للأسف فى مصر كل سلعة لها من يحتكرها، فالاحتكار موجود فى كل القطاعات حيث أن القانون يشجع على ارتكاب هذه الجريمة, إلا أن هذا من الموضوعات المسكوت عنها.
وأوضح أن السبب الرئيسي وراء ارتفاع الأسعار إننا نعيش على الاستيراد من الخارج ومع ارتفاع سعر الصرف تزيد فاتورة الاستيراد ويتحمل المواطن هذه الارتفاعات . وتابع أننا نحتاج إلى حلول سياسية, نحتاج إلى وزراء سياسيين قادرين على وضع حلول للخروج من هذا المأزق.
وأكد أن حديث رئيس الوزراء، عن أن الحكومة لن تكرر أخطاء الماضي، وأنه لن يحدث تحكم مرة أخرى في سعر الصرف “كلام جيد”، لكن ينقصه نقطة مهمة جدًا تكمن في مراجعة السياسات المطبقة وحرية دخول وخروج رؤوس الأموال بين مصر والخارج لأنه يمكن أن يتكرر الأمر مرة أخرى.
وأشار د.جودة عبد الخالق إلى إننا بحاجة إلى سياسات اقتصادية خاصة بالإنتاج بعيدا عن الحديث عن توطين الصناعات الدائر هذه الأيام, مشيرا إلى نسمع تقريبا بصفة أسبوعيًة خبر عن توطين الصناعة وبدلًا من الحديث عن ذلك يجب الحديث عن السياسة الصناعية والأيادي العاملة، والتمويلات خاصة في ظل الارتفاع الكبير في أسعار الفائدة, فنحن بحاجة ملحة إلى الإنتاج بدلا من الاعتماد على الاستيراد فالبديل هو الإنتاج والتصدير, وأيضا نحتاج إلى سياسات اقتصادية قادرة على إكساب الاقتصاد المصري القدرة والمرونة للتعامل مع الصدمات الخارجية، وسياسات لتحديد الأولويات للمستهدفات الاقتصادية فى ظل الإمكانيات والقدرات المتاحة, وتحقيق العدالة الاجتماعية بما يقلل الحاجة إلى الاعتماد على برامج الحماية الاجتماعية للطبقات الفقيرة.
التضخم
فيما تحدثت د.عالية المهدى، عميدة كلية الاقتصاد والعلوم السياسية الأسبق، عن أسباب ارتفاع معدلات التضخم فى مصر، مشيرة إلى أن التضخم عندما وصل إلى 40% كان ينبغي أن نقلق ونضع حلولا للحد من ارتفاعات التضخم ومواجهة أسبابه.
وأضافت أن التضخم شهد معدلات مختلفة فى مصر، حيث بلغ فى الستينيات 19% وفى منتصف الثمانينيات وصل إلى 20% وتراجع إلى 16و17% مع بداية الألفية..وفى أسوأ الظروف لم تتجاوز نسبة التضخم ال 20أو 22 % حتى عام 2016 وإتباع الحكومة برنامج الإصلاح الاقتصادي وحتى الآن وهناك قفزات متتالية فى معدلات التضخم فوصل إلى 30و40%..وعندما ننظر إلى أسعار المواد الغذائية نجد أن نسبة التضخم فى ديسمبر عام 2023 وصلت إلى 74% وهذا معناه أن أكثر المواطنين معاناة هم الفقراء ومحدودو الدخل لأن الجزء الأكبر 50% تقريبا من إنفاقهم يذهب إلى السلع الغذائية وهذا يمثل ضررا بالغ للأسر.
وأوضحت د.عالية المهدى أسباب التضخم تنقسم إلى أسباب داخلية وأخرى خارجية, وتابعت أن اتفاق الحكومة مع صندوق النقد الدولى والاتجاه إلى الاقتراض وتحرير سعر الصرف, أدى إلى ارتفاع أسعار الوردات فسعر الدولار كان 8 جنيهات وصل إلى 16 جنيها ..وهناك عوامل خارجية مثل حرب أوكرنيا وغزة والصراع فى اليمن ..كل هذا أدى إلى ارتفاعات مستمرة فى الأسعار, أما الأسباب الداخلية فتتمثل فى زيادة الإنفاق الحكومي بشكل كبير منذ عام 2013 , بالإضافة إلى اتخاذ العديد من السياسات التى تساهم فى غلاء الأسعار والتوسع فى الإصدار النقدى, وأيضا ضعف الإنتاج وغياب السياسات التى تعزز التصدير, وعدم تحريك قطاع السياحة والصناعة ودعم الزراعة وباقى القطاعات التى تساهم فى زيادة الدخل القومى والتركيز على القطاعات غير قابلة للتداول مثل قطاع الإنشاءات, والنتيجة هى تزايد الديون والاقتراض وضغوط على الموازنة وتدنى سعر العملة المحلية وزيادة سعر الدولار ..
القطاع الخاص والتنمية
وحول دور القطاع الخاص فى التنمية أشارت د.عالية المهدى إلى أن القطاع الخاص يمكن أن يكون المحرك الرئيسى للتنمية خاصة إنه يحمل مسئولية تشغيل 82% من قوة العمل, وبالتالي فهو قادر على قيادة التنمية من خلال التشغيل والإنتاج والتصدير ..
وفيما يخص ارتفاع التضخم وآثاره على المنتجين أوضحت أن معدلات التضخم المرتفعة لم تؤثر فى الفقراء ومتوسطى الدخل فحسب بل التأثير السلبى طال المنتجين أيضا ..فالمنتج كان يلجأ إلى السوق السوداء لشراء الدولار بسعر 60و70 جنيها والدولة تحاسبهم على 31 جنيها قبل مارس 2024 وتحرير سعر الدولار بشكل كامل .
أما تأثير التضخم على المستهلك فأشارت إلى أن ارتفاعات الأسعار أدت إلى ضعف القدرة الشرائية للمواطنين, وتزايد معدلات الفقر التى كانت فى أخر إحصاء 29%, واعتقد إنها زادت إلى 39 % نتيجة لارتفاع معدلات التضخم.
سبل المواجهة
وأكدت أن طرق مواجهة التضخم تتطلب اتخاذ خطوات حاسمة وعاجلة من قبل الحكومة منها، أولا: ضبط الإنفاق العام والتحكم فى الإصدار النقدي.
ثانيا: تقليل الاقتراض الداخلي والخارجي, وتسهيل إجراءات الاستثمار لفتح الباب أمام المزيد من الاستثمارات الخاصة, فمثلا عدم زيادة أسعار الوقود الذى يصل فى مصر لمعدلات أعلى من سعره فى دول الاتحاد الأوروبى .
ثالثا: خلق مناخ تنافسى فى السوق المصرى لأن التنافس يخلق حالة من استقرار الأسعار, مشددة على ضرورة وضع سياسات اقتصادية متكاملة لتحفيز القطاع الخاص وتعزيز دوره لقيادة الاقتصاد المصرى ومحاولة الخروج من الأزمة الحالية.
إصلاح سياسي
فيما أكد أكمل قرطام، رئيس حزب المحافظين أننا لا يمكنا الحديث عن إصلاح اقتصادي دون وجود إصلاح سياسى يقدر الحريات ويفتح المجال العام للأحزاب السياسية.
وقال طلعت خليل، رئيس هيئة التحالفات السياسية بحزب المحافظين، أن مشكلة ارتفاع الأسعار هى مشكلة كل بيت مصري بسبب أن دخل المصريين لا يكفي لشراء المستلزمات الأساسية وهذه المسألة تؤرق السياسيين ومن يعمل في المجال العام والاقتصادي.
وأضاف خليل أنه من أسباب التضخم ضعف الأداء الحكومي وارتفاع الفائدة وارتفاع أسعار الوقود بشكل متكرر بجانب الارتباكات الاختلالات الاقتصادية.
وأشار إلي أنه لا بد من جذب الاستثمار ووقف المشروعات القومية التي ليس لها جدوى وزيادة الأجور للجهاز الإداري للدولة وأصحاب المعاشات بجانب صدور بعض القرارات المحفزة للقطاع الخاص ولا بد من إعادة النظر في قانون المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية.
وأكد خليل أنه لا بد من مراجعة أسعار السلع الأساسية ليس من خلال التسعير الجبري ولكن من خلال تخفيض أسعار مستلزمات الإنتاج، مشيرا إلي أن المواطن المصري غير قادر علي تحمل مزيد من الأعباء وارتفاعات جديدة في الأسعار الفترة المقبلة.
غياب الرقابة
فيما أكد محمود العسقلاني، رئيس مبادرة مواطنون ضد الغلاء، أن الاستقرار السياسي يمثل عاملًا رئيسيًا لتحسين الوضع الاقتصادي في مصر. وأوضح أن غياب الرقابة التشريعية الكافية يسهم في تفاقم الأزمات الاقتصادية، على الرغم من وجود قوانين تنظم المنافسة وتمنع الاحتكار.
وأضاف العسقلاني أن هذه القوانين لا تُطبق بشكل يراعي المنافسة العادلة في السوق، مما يزيد من العبء على المواطن ويؤدي إلى تشوهات في السوق. وشدد على رفضه لفكرة التسعير الجبري، مؤكدًا أنها تأتي بنتائج عكسية، مستشهدًا بأزمة السكر السابقة، التي أدت إلى تفاقم المشكلة بدلًا من حلها.
وأشار إلى أن دور الحكومة تعديل قانون الاستثمار بحيث يسمح لها بتحديد هامش ربح عادل للتجار حيث إن القانون الحالى يحظر على الحكومة تحديد هامش الربح .
وتابع أن قانون حماية المنافسة ومنع الاحتكار لم يجرم الاحتكار ولكنه يجرم الممارسات الاحتكارية كونه ينص على فرض رقابة الأجهزة المعنية لضبط حركة الأسواق والسيطرة على ارتفاع الأسعار, والعمل على توفير السلع الأساسية للمواطنين من خلال ملاحقة المحتكرين والمتلاعبين بالأسواق من خلال جهاز حماية المستهلك ومباحث التموين, لافتا إلى أن صعوبة إثبات الجريمة الاحتكارية.
وشدد إلى أهمية تعزيز الرقابة التشريعية لضبط الأسواق، والتأكيد على دعم السياسات التي تفتح المجال أمام الاستثمار الخاص، وتفعيل القوانين لمكافحة الاحتكار بشكل يحقق العدالة والمنافسة الحقيقية، بما يسهم في تخفيف العبء عن المواطن وتحسين الوضع الاقتصادي.

التعليقات متوقفه