إبراهيم نوار يكتب :مصر والغاز الإسرائيلي: سقوط المزايا التجارية تحت ضغط المصالح الإستراتيجية

81

بقلم /إبراهيم نوار
كانت المزايا التجارية هي المبرر الرئيسي وراء صفقة ال 35 مليار دولار لاستيراد الغاز الإسرائيلي، لكن القيادة السياسية في تل أبيب أبت إلا أن تستخدم الغاز الطبيعي سلاحا لتحقيق أهداف سياسية. وكنا قد حذرنا من ذلك أكثر من مرة، ونحن نرى يوما وراء يوم الإفراط في الاعتماد على الغاز الإسرائيلي في تزويد مصر باحتياجاتها من الطاقة. وقد برهن نتنياهو على أنه لن يتوانى عن استخدام أي سلاح لابتزاز السياسة المصرية، وتحويل مسارها إلى ما يحقق المصالح السياسية لحكومته. و قد كان الرد التقليدي على التحذير سياسيا وإعلاميا هو الدفع باستقلالية السياسة الخارجية المصرية تجاه إسرائيل في صراعات الشرق الأوسط التي لا نهاية لها.
لكن هذا الإفراط في الاعتماد على طرف خارجي، مهما كان، في سد احتياج استراتيجي مثل الطاقة يخلق وضعا طبيعيا للتهديد. هذا التهديد قد يظل ساكنا لفترة من الزمن، طالت أو قصرت، لكنه يمكن أن يتغير بسرعة إلى وضع “تنشيط التهديد”، الذي يحدث بمقتضاه تحويل الطرف المعتَمِد على الآخر إلى هدف للتهديد، حيث يتحول “الاعتماد” إلى سلاح بيد الطرف الآخر. ولا شك أن بعض الثقافات السياسية لا تفضل الاقتراب من أخذ الأزمة في الاعتبار إلا بعد أن تنشأ بالفعل، ولا تدرك مقدار الخطر إلا عندما تتعرض للتهديد. ومن المؤسف أنه في مثل هذه الحالات يكون الوقت متأخرا، وتتعرض السياسة إلى قدر كبير من التخبط وسط وضع لا تتوفر فيه في الأجل القصير مقومات الاعتماد على النفس. وفي معظم الأحوال يصبح البلد المستهدف بالتهديد ضحية لطرف آخر إذا كان ذلك الطرف لديه القدرة على تجنيب البلد المستهدف تداعيات التهديد، أو على الأقل تخفيفها. وفي هذا السياق، وبعد تهديد نتنياهو بتجميد اتفاق صادرات الغاز الإسرائيلي، فإن مصر تبحث الآن عن موردين آخرين، يكون في إمكانهم تعويض الإمدادات الإسرائيلية أو على الأقل تخفيف حدة انقطاعها تماما أو تراجع كمياتها. لكن الرد على التهديد الذي تتعرض له القاهرة لا يتوقف عند حدود إيجاد بدائل للغاز الإسرائيلي، وإنما هو أكبر من ذلك بكثير لأن المبررات المعلنة لاستخدام سلاح الغاز ضد مصر ليست مبررات تجارية او اقتصادية، وإنما هي مبررات تنصرف صراحة إلى وضع القوات المصرية في سيناء، طبقا لما جاء في تقرير صحيفة “إسرائيل اليوم” التي كشفت تعليمات مكتب نتنياهو إلى الشركات التي تملك حق امتياز حقل ليفياثان للغاز. هكذا تحول الغاز بسهولة إلى سلاح سياسي بعد أن تمت عملية “هندسة” زيادة اعتماد مصر على الغاز الإسرائيلي.
إلى أي حد تعتمد مصر على إسرائيل
وصلت إمدادات الغاز الإسرائيلية إلى ما يزيد على مليار قدم مكعب من الغاز الطبيعي يوميا. وتستورد مصر حالياً أيضاً نحو 1.1 مليار قدم مكعب يومياً من الغاز عبر الأنابيب من إسرائيل مقارنة بحوالي 800 مليون قدم مكعب يوميا قبل ذلك. ومن المتوقع في حال سريان الاتفاق الجديد أن ترتفع الكمية تدريجياً إلى 1.2 مليار قدم مكعب يومياً اعتباراً من يناير المقبل، ثم تتضاعف بعد ذلك بموجب الاتفاق المعدل بين الجانبين الذي يستمر حتى عام 2040. ويتضمن الاتفاق زيادة الكميات الإجمالية التي تتلقاها مصر من الغاز الإسرائيلي بنحو 4.6 تريليون قدم مكعب، لكن ذلك مشروط بتوسيع البنية الأساسية للإنتاج والنقل وهو ما يتضمن استثمارات جديدة في إسرائيل، إضافة إلى استثمارات على الجانب المصري بقيمة تصل إلى 400 مليون دولار. وتغطي الكميات المستوردة من إسرائيل حاليا ما يصل إلى 15% من احتياجات الاستهلاك المحلي، وأكثر من نصف فجوة الطاقة في مصر.
لكن هذا الاعتماد من جانب مصر على الغاز الإسرائيلي يقابله اعتماد من جانب إسرائيل على سوقين أساسيين في المنطقة المحيطة بها هما مصر والأردن اللتين تستوعبان ما يقرب من نصف كمية إنتاج حقول الغاز الإسرائيلية. ونظرا لأن إنتاج الغاز في إسرائيل يزيد كثيرا على احتياجات الاستهلاك المحلي (الطلب الداخلي)، فإن استدامة الاستثمار تتوقف على التوسع في الصادرات (الطلب الخارجي). وقد نجحت إسرائيل في جعل كل من مصر والأردن أهم أسواق التصدير. وارتفعت صادرات الغاز الإسرائيلي إلى مصر والأردن بنسبة 13.3% على أساس سنوي في العام الماضي إلى 13.2 مليار متر مكعب، وهو ما يمثل نحو 49% من إنتاج الغاز الإسرائيلي، بحسب بيانات وزارة الطاقة الإسرائيلية. وفي مجال التوسع في تصدير الغاز الطبيعي إلى أسواق أخرى مجاورة سيكون على إسرائيل إنشاء خطوط أنابيب لنقل الغاز إلى دول مثل سورية ولبنان إضافة إلى مصر والأردن. أما إذا أرادت تحويل جزء من تجارة الغاز إلى أوروبا أو أماكن أخرى، فإن احتياجها إلى مصر سيتضاعف، نظرا لأن مصر تمتلك أكبر طاقة لإسالة الغاز في شرق البحر المتوسط. ولذلك فإن الاعتماد المصري على إسرائيل في توفير الإمدادات، يقابله اعتماد إسرائيلي للتصدير، والبنية الأساسية لإسالة الغاز بغرض تصديره إلى خارج المنطقة، خصوصا إلى أوروبا.
هذا التحليل يفضي إلى اعتقاد بتوازن المصالح بين الطرفين من الناحية الاقتصادية والتجارية البحتة ووجود قدر من الاعتماد المتبادل بنسب مختلفة، لكن الأمر يختلف من الناحية السياسية، لأن مصر لم تهدد بوقف استيراد الغاز الإسرائيلي، ولم تبحث عن موردين آخرين، ولم تعلن إستراتيجية بديلة عن الإفراط في الاعتماد على الغاز الإسرائيلي، وهو ما يشكل نقطة ضعف جوهرية في الموقف المصري يجب العمل فورا على إصلاحها. وقد جاء تهديد نتنياهو بتعليق الاتفاق وعدم المضي قدما في تنفيذه لفرض ضغوط تؤدي لتغيير السياسة المصرية تجاه شبه جزيرة سيناء، وهو ما يمس حقوق السيادة المصرية على أراضيها، ولن ترضخ له. كما يستهدف نتنياهو أيضا فرض ضغوط لتغيير السياسة المصرية تجاه حرب الإبادة في غزة ومشروع تفريغ القطاع من أهله عبر مصر. وقد وصلت الوقاحة بسفاح غزة أنه اتهم حكومة مصر بمنع الفلسطينيين من ممارسة حق الخروج من غزة، في الوقت الذي تقتلهم قواته وتحرمهم من حق الحياة و البقاء في أراضيهم. مصر الآن أمام تحديين بعد التهديد الإسرائيلي: التحدي الأول هو إيجاد بديل للغاز الإسرائيلي، وليست قبرص هي البديل، وسوف أعالج هذا في مقال قادم. والثاني هو تعزيز وجود القوات المصرية في سيناء تحسبا لأي تهور إسرائيلي، خصوصا تجاه رفح التي قام جيش الإبادة الإسرائيلي بتدميرها تماما، ويسعى الآن إلى استخدامها معبرا لتهجير الفلسطينيين من غزة.

التعليقات متوقفه

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More

Privacy & Cookies Policy