إبراهيم نوار يكتب:بدائل للغاز الإسرائيلي خطوة للأمام على طريق بناء مركز إقليمي للطاق
بقلم /إبراهيم نوار
من الصعب الحديث عن إقامة مركز إقليمي للطاقة في مصر بدون توفر الشروط اللازمة والكافية لتحقيق ذلك. أول تلك الشروط ألا تكون في مركز “تبعية” في مجال الطاقة، وان تتوفر فيها الموارد الكافية بدون تبعية. كما يجب أن تتسم هذه الموارد بالتنوع والتوافق البيئي. الشرط الثاني هو وجود بنية أساسية إنتاجية قوية في صناعة الطاقة، بمعنى مثلا أنه في صناعة الغاز يجب أن تتوفر معامل لمعالجة الغاز الطبيعي وفصل مواد ملوثة مثل الكربون والكبريت، وهي مواد لها قيمة صناعية وتجارية في صناعات، مثل الصناعات الغذائية والأسمدة. الشرط الثالث هو وجود بنية أساسية للإمدادات والتخزين والتصدير، مثل خطوط الأنابيب، وصهاريج التخزين، ومحطات الإسالة والضخ، ومرافق التصدير الأخرى. وتملك مصر جزءا كبيرا من هذه الشروط. وقد أدركت مؤخرا أهمية وجود محطات التغويز العائمة. لكن البنية الأساسية للتصدير موجهة أساسا للشركات الأجنبية ومملوكة لها بحصة الأغلبية كما هو الحال في محطات إدكو ودمياط. كما أن خطوط الأنابيب موجهة أساسا لاستيراد الغاز من إسرائيل والتصدير للأردن. ولن تستطيع مصر أن تتحول فعلا إلى مركز إقليمي للطاقة قبل أن تحقق لنفسها استقلالا حقيقيا في الموارد المتاحة كما ونوعا وتنوعا، وأن تكتسب قدراتها التصديرية بعدا إقليميا حقيقيا مع الاستفادة من فرص الأسواق الدولية المتاحة، وأن تكون النسبة الأعظم من صادراتها قائمة على عقود طويلة المدى، وليس اعتمادا على الأسواق الفورية ذات الظروف المتقلبة. ولا يكفي لمصر أن تحتفل بأنها تحتضن مقر المنتدى الإقليمي للغاز للشرق الأوسط ورئاسته، فهذه أمور شكلية لأن الذي يضع سياسات الغاز حتى الآن هو الشركات الدولية العاملة في مصر، إلا حين تتدخل أياد مجهولة فتفسد كل شئ كما حدث في القصة الحزينة لحقل ظهر.
ولن تستطيع مصر أن تصبح مركزًا إقليميا للطاقة طالما استمرت تحت عباءة إمدادات الغاز الإسرائيلي، لأن هذه الإمدادات مهددة في كل وقت بتأثير عوامل جيوستراتيجية وتطورات الصراع العربي – الإسرائيلي وسعي الحكومة الإسرائيلية الحالية إلى نفي الوجود الفلسطيني تماما. هذا السعي يضع إسرائيل في مواجهة مباشرة مع مصر يجب أن نعمل لها ألف حساب. وهو ما يتطلب وقف أو تقليل الاعتماد على استيراد الغاز من إسرائيل، خصوصا وأن إسرائيل هي التي أوقفت تصدير الغاز إلى مصر خلال الحرب مع إيران، وخلال الأسابيع الأولى لحرب الإبادة ضد الفلسطينيين، وهو ما يمكن أن يتكرر في أي ظروف أخرى، بما يؤدي إلى ارتباك إمدادات الكهرباء والغاز المحلية للصناعة والتصدير. وإذا كانت حكومة مصر تنظر إلى مسألة إقامة “مركز اقليمي للطاقة” على أنها طموح استراتيجي بعيد المدى، فإن تحقيق هذا الطموح يستلزم أن تكون مصر في موقع السيطرة على كل المتغيرات المرتبطة به، ومنها الإمدادات.
بدائل للغاز الإسرائيلي
البديل الأول، هو مد خط الأنابيب “ترانسميد” المتجه من الجزائر إلى إيطاليا عبر تونس إلى مصر، عن طريق إقامة خط أنابيب بري جديد، يتجه من تونس إلى مصر. هذا يتطلب زيادة كمية الغاز الجزائري وإقامة محطات ضغط لخدمة الوصلة الجديدة. كما يمكن مستقبلا استخدام ذلك الخط في الاتجاهين أو إنشاء خط مزدوج، لتصدير الغاز الطبيعي من مصر في حالة الوفرة إلى إيطاليا وبقية الدول الأوروبية عن طريق شبكة الغاز الأوروبية الموحدة. وتستخدم الجزائر خط أنابيب بحري آخر لتصدير الغاز إلى إسبانيا هو “خط ميدغاز”، وهو ما يفتح إمكانية أخرى لتصدير الغاز المصري إلى أوروبا في حالته الطبيعية بدون الحاجة إلى الإسالة. وتواجه الجزائر حاليا انخفاضا في صادرات الغاز عبر الأنابيب إلى أوروبا بسبب مزاحمة الغاز المسال الأمريكي، وهو ما يتيح ضخ كميات إضافية في خط ترانسميد بعد مدة إلى مصر.
البديل الثاني، هو مد خط أنابيب من مصر إلى غرب ليبيا للربط مع خط أنابيب “جرين ستريم” البحري الواصل إلى جزيرة صقلية في إيطاليا ومنها إلى بقية أوروبا. مثل هذا الخط يمكن أن يعمل في الاتجاهين، بل إنه يمكن أن يصبح وسيلة لتعميق التعاون الاقتصادي مع ليبيا و تحفيز البلدين على استغلال موارد الغاز الضخمة المحتملة في المناطق الاقتصادية البحرية الخالصة لكل منهما في البحر المتوسط. ومن السهل بعد ذلك وصل خط الأنابيب بمركز ضخ الغاز الجزائري عبر تونس إلى أوروبا، وهو ما يعني اننا نكون ازاء مشروع تدريجي لإنشاء “خط أنابيب غاز شمال أفريقي”، يقلل اعتماد مصر على إسرائيل، ويعزز التعاون الإقليمي العربي، ويوفر الأساس لتحقيق أمن الطاقة في العالم العربي وليس في مصر فقط. كما أن هذا الخط الإقليمي من شأنه تعزيز كفاءة مصر وقدراتها التنافسية واستخدام الغاز الليبي والجزائري في زيادة طاقات التشغيل في محطات الإسالة إدكو ودمياط وتوسيع أسواق التصدير في الشرق الأوسط والشرق الأقصى.
البديل الثالث، هو البديل القطري، وهو بديل قوي نظرا لوفرة الإمدادات القطرية، وآفاق التوسع في الاستثمار، وإضافة مسار جديد لصادرات الغاز الطبيعي القطري، يوسع كثيرا سوق صادرات الغاز الطبيعي في منطقة شرق البحر المتوسط وشمال أفريقيا، كما يساعد على تحويل مصر إلى مركز إقليمي حقيقي للطاقة تتوفر له شروط الاستدامة، وتحييد العوامل السياسية، كما هو الحال في خط أنابيب “دولفين” الواصل بين قطر والإمارات وعُمان. ويحقق الخط المقترح لقطر سهولة الوصول إلى مناطق تتمتع بطلب مرتفع على الغاز لتوليد الكهرباء. وفي هذه الحالة يمكن إنشاء إطار لتعاون إقليمي رباعي بين قطر والعراق والأردن ومصر، حيث تنشأ شبكة لخطوط الأنابيب من مركز الإنتاج والتصدير الرئيسي إلى مراكز الاستهلاك. وفي حال زيادة إنتاج العراق يمكن توجيه الزيادة في الإمدادات (غاز طبيعي) لأغراض التصدير إلى أفريقيا بالأنابيب عبر مصر، مباشرة، وإلى أوروبا عبر خطوط جرين ستريم الليبي، و ترانس ميد الجزائري، وإضافة طاقة تكرير جديدة إلى محطات الغاز المسال في مصر للتصدير إلى كل أنحاء العالم. إن فرص التخلص من التبعية للغاز الإسرائيلي كثيرة ومتنوعة جغرافيا ونوعيا، فهناك ايضا البديل العُماني. كما أن هناك في الأفق مصادر الطاقة المتجددة المحلية، وليس الوقود التقليدي فقط لتعزيز مركز مصر الإقليمي في إمدادات الطاقة وهو موضوع يستحق أن نفرد له مقالا خاصا.

التعليقات متوقفه