لقطات …د. جودة عبدالخالق يكتب :السينما والإنسان والمقاومة

220

ما أروع الفن بكل أنواعه. وما أحوجنا إليه لتذكية النفس وترقية الوجدان. وما ألزمه لنا في المساعدة على توسيع مجال التفكير ومد أفق الخيال. وما أحوج المنشغل بالاقتصاد والمهموم بالسياسة مثل العبد لله لتوسيع مجال التفكير ومد أفق الخيال. لذلك فإنى أحاول جاهدا متابعة الفن عموما، وفن السينما خصوصا، إلى أقصى حد ممكن. من هنا كنت حريصًا على اكتساب عضوية جمعية الفيلم، وأحرص على متابعة الكثير من الفعاليات السينمائية. وأنتظر شهر نوفمبر كل عام بشوق بالغ لمتابعة أهم تلك الفعاليات، وهى مهرجان القاهرة السينمائى الدولى. وقد قدم لنا المهرجان هذا العام في دورته الـ46 باقة من الأفلام المتميزة. وتستحق إدارة المهرجان بقيادة الفنان حسين فهمى كل التحية والتقدير على جهدهم. وأعتقد أنهم فتحوا لنا نافذة عريضة على فن السينما في مصر والمنطقة والعالم تحت شعار: “الإنسان”. وأُثمِّن خصوصا احتفاء المهرجان بالإنسان الفلسطيني بعرض شريط “كان ياما كان في غزة”، واستضافة صناع الفيلم.
من بين عروض المهرجان التي تابعتها حتى الآن، أتوقف عند فيلمين وهما: المغربى “زنقة مالقة” و الإنجليزى “إعادة بناء”. القاسم المشترك بين الإثنين هو الإنسان، في سعيه لإعادة تشكيل واقعه من خلال المقاومة. وأبدأ بالفيلم المغربى.
“زنقة مالقة” (وتعنى حارة مالقة، إشارة إلى مكان بؤرة الأحداث في مدينة طنجة المغربية). الفيلم من إخراج مريم توزانى المخرجة والممثلة المغربية. وهو يعزف سيمفونية راقية تتغنى بالإنسان في علاقته بالمكان، وتحديه لقسوة الواقع، وإصراره على التحرر من قيود الزمان، والاستمتاع بكل لحظة مما تبقى من العمر. الخيط الرئيسى هنا هو الصراع على المكان (شقة الأسرة في زنقة مالقة بمدينة طنجة المغربية) بين جيلين: بين الأم ماريا التي تعيش في طنجة وابنتها التى تعيش في مدريد. وذروة الفيلم هي حسم الصراع بنجاح ماريا في استعادة الشقة التي عاشت فيها بعد أن طردتها منها ابنتها المطلقة القادمة من مدريد لكى تؤمن لنفسها بعض المال. يذكرنا الفيلم بالإنسان الفلسطيني ودفاعه الأسطورى عن الأرض. “زنقة مالقة” يفتح أمامنا عوالم أكثر اتساعا من الحارة والمدينة، ويتركنا بإحساس عميق بالتفاؤل والأمل.
أما فيلم “إعادة بناء” للمخرج وكاتب السيناريو ماكس ووكر- سيلفرمان فهو يعزف لحنا جميلا على نفس الوتر: صراع الإنسان من أجل البقاء، ووقوفه بعد السقوط صلبا منتصب القامة. الإنسان هذه المرة هو ضَستى، صاحب مزرعة أبقار في ولاية كولورادو الأمريكية. في أعقاب حريق هائل، يجد ضستى نفسه فجأة وقد فقد كل شيء: المزرعة التي يعيش منها والمنزل الذى يعيش فيه. وكان عليه أن ينتقل إلى مركز للإيواء دبرته الحكومة كمكان مؤقت لضحايا الحريق. وبهذا الترحيل خسر أيضا المجتمع المحلى الذى كان ينتمى إليه. ويا لها من خسارة! لكن ضستى الذى فقد كل شيء بقى له أهم شيء: إرادة الصمود والمقاومة. لم يستسلم للأقدار، بل بدأ في الاندماج في مجتمعه الجديد من ضحايا كارثة الحريق في معسكر الإيواء. ونظمهم وأقنعهم بالانتقال إلى مكان جديد لإنشاء مزارع جديدة. وكم كان مشهدا مثيرا في ختام الفيلم أن نرى ضَستى في مقدمة رتل من السيارات في طريقهم لبدء حياة جديدة: للنهوض بعد الوقوع وإعادة البناء.
والحقيقة أننى تفاعلت كثيرا مع هذين الفيلمين، ومع شخصية كل من ماريا َوضستى. فقد تعرضت أنا وزوجتى (كريمة كريم) لموقف مشابه في مقتبل حياتنا، عندما إضطهدن، أستاذ صهيوني في قسم الاقتصاد بإحدى الجامعات الكندية المرموقة في غرب كندا، وسعى بكل الوسائل لحرماننا من المنحة الدراسية المستحقة واستكمال دراستنا للدكتوراه لمجرد أننا عرب. كان هذا الموقف بكل معنى الكلمة صداما وجوديا لنا مع الأستاذ الصهيوني. وكان سلاحنا هو المقاومة والنهوض بعد الوقوع. قاومنا الأستاذ الصهيوني الوغد باستماتة، وانتصرنا. إن مشهد ماريا في”زنقة مالقة” وهى تحتفل مع جيرانها بعودتها الى شقتها، ومشهد ضستى وجيرانه في “إعادة بناء” وهم في رتل السيارات لبدء حياة جديدة، ذكرنى بمشهدنا كريمة وأنا في رتل سيارات مع زملائنا الطلبة المصريين ونحن في طريقنا إلى محطة القطارات لنركب القطار وصولا إلى حياة جديدة في إحدى الجامعات المرموقة في شرق كندا. تحيا العزيمة، والنصر للمقاومة، تحيا فلسطين.

التعليقات متوقفه

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More

Privacy & Cookies Policy