هل انتهي تأثير أفلام يوسف شاهين بعد رحيله؟
وهل انتهت مسيرته بعد توقفه عن تقديم المزيد؟ الإجابة بالنفي طبعا، فتأثير أفلام شاهين موجود بقوة لمن عاش زمنه ورأى أفلامه وهي تعرض فيلما بعد فيلم. وموجود بنفس القوة لأجيال أخري لم تعش نفس الزمن، أو عاشت بعضه، ولكنها عاشت أفلامًا قدمت لها الكثير عن ناسها وحياتها، وعاشت افلام قدمت ما سمعت عنه فقط عن مصر البلد والناس، وعن الإسكندرية وقدرتها على جمع كل اطياف البشر، وعن العائلات من الداخل، والبحر حين كان حلما لابن عائلة من هذه العائلات ليسافر من خلاله الى امريكا للدراسة وهناك يستقبله تمثال الحرية، (في صورته الهزلية) كما قدمها في المشهد الأخير لفيلم (إسكندرية.. نيويورك)، لقد قدم لنا يوسف شاهين أعمالاً لا تنسي حتي رحيله عام 2008، وفي ذكري مئوية ميلاده ( ولد في 25 يناير عام 1926) نتذكر كل ما رأيناه وتأثرنا به من أفلامه، بل نتذكر وجوده المهم في حياتنا الفنية والثقافية، وكيف كان شغوفا بالمشاركة في كل الأحداث الهامة بشكل شخصي أو من خلال السينما التي امتلكت محبته برغم دراسته للمسرح في أمريكا، وبرغم محبته للكتابة أيضًا، ولكنه استخدم كل مهاراته ليقدمها لنا من خلالها، وليبدأ معها بأفلام متأثرة بتراثها، أي تراث السينما نفسها، مع عشق المكان بكل تفاصيله، خصوصا نهر النيل الذي كان بطلا لعدد غير قليل من أفلامه التي وصل عددها إلى أربعة وأربعين فيلما، بينها ستة أفلام قصيرة، والتي بدأها في عقد الخمسينيات، بعد عودته من البعثة الدراسية، بفيلم (بابا أمين) الذي يقدم قصة اجتماعية في قالب سرد غير مألوف هو الفانتازيا حين يقدم رب أسرة مدخراته الى صديقه لأجل مشروع تجاري يحقق له ما يتمناه من ثراء، ولكن الأب القلق لا يسعر بالأمان، بل يتخيل أنه مات وان صديقه قد رفض تنفيذ الاتفاق، ولم يرد الأموال لأسرته التي تبدأ في المعاناة الشديدة، كان شاهين الشاب وقتها (24عاما) هو كاتب هذه القصة لفيلمه الأول كمخرج ! ولكنه حرص وقتها علي الاستعانة بأسماء كبيرة من صناع الكتابة السينمائية مثل حسين حلمي المهندس ليكتب السيناريو وعلي الزرقاني ليكتب الحوار في فيلم أعطى البطولة فيه للممثل حسين رياض ومعه فاتن حمامة وكمال الشناوي وفريد شوقي وماري منيب وأسماء أخرى مهمة مثل هند رستم ومحمود رضا ومحمد توفيق، وبعدها.
في العام التالي قدم أول افلامه عن النيل (ابن النيل) وكان هو الكاتب أيضا مع نيروز عبد الملك)، ونفس المونتير (كمال ابو العلا)، لكن مع تغيير المنتج، ومدير التصوير وبقية العناصر، وكان من الواضح وقتها ان شاهين كان يبحث عن الافضل من صناع السينما في هذا الوقت للتعاون معهم وبناء فريق عمل يستمر معه فيما بعد.
من( ابن النيل) الي( المصير)
رحلة طويلة ومهمة عاشها يوسف شاهين، ليس في العمر، ولكن في التمرد علي كل ما قدمه في بداياته من أعمال وافكار، رحلة من الصعب أن نراها من خلال مبدعين آخرين، خاصة حين أصبحت أفلامه تعبر عن أحداث سياسية في زمنها، ووقتها مثل فيلم (فجر يوم جديد ) عام 1965 الذي عبر عن قلق الطبقة البورجوازية وخوفها من متغيرات حياتها بعد قيام ثورة يوليو، وفيلم (الأرض) عام 1970 الذي قدم العلاقة المتوترة بين الفلاحين والحكومة بسبب الأرض، وفيلم (العصفور) عام 1972 الذي عبر عن وجهة النظر الشعبية بعد هزيمة يونيو 67 والذي قدم نهاية من أهم النهايات في تاريخ السينما حين تزعمت بهية الخياطة (بأداء محسنة توفيق) مظاهرة بدأتها بعد إعلان عبد الناصر تنحيه، وخرجت من بيتها وورائها الجموع يرفضون الهزيمة ويطالبون بالحرب، وغير هذه الأفلام التي تندرج تحت مجال السينما الباحثة عن الحقيقة، قدم شاهين مجموعة أفلام واضحة في رسائلها السياسية مثل (الناصر صلاح الدين)، ومثل (جميلة) عن المناضلة الجزائرية ضد الاستعمار الفرنسي جميلة بوحيرد، ومثل (المهاجر) الذي منع من العرض في البداية بسبب تشابه قصته مع قصة النبي يوسف، وبعده قدم فيلمه المهم (المصير) الذي تدور أحداثه في الأندلس والفيلسوف الكبير ابن رشد والصراع الكبير بينه وبين الشيخ رياض بين فكرة الاجتهاد وفكرة التمثل بالسلف وهو ما انتهي بانحياز الحاكم إلى الشيخ وطرد ابن رشد، وحرق كتبه في مشاهد لا تنسي، وبالطبع لم يتوقف شاهين عن تقديم ما يريده من أفكار في أفلام حتي اللحظة الأخيرة وهو ما يحتاج لمقال آخر.

التعليقات متوقفه