ضد التيار ..أمينة النقاش تكتب :خطاب الرئيس

65

تراكمت الذكريات الأليمة والموجعة، أثناء متابعة الاحتفال بالعيد 74 لبطولات وتضحيات وكفاءة رجال الشرطة المصرية، على امتداد نحو ثلاثة أرباع القرن وعُرض جانبا منها فى فيلم وثائقى يحفل بدقة التفاصيل. بكيت مع الطفل “على “وهو يتحدث بحرقة عن آلام فقده لأبيه الشاب، الشهيد البطل العقيد “رامى هلال “الذى تقدم بجسارة قبل ثمانى سنوات، لمداهمة أحد أفراد وكر إرهابى مكدس بالمتفجرات فى حى الدرب الأحمر، ففجر الإرهابى نفسه بحزام ناسف، فأودى بحياة رامى وعدد آخر من قوات الأمن الوطنى، ونجا الحى وسكانه من مجزرة مؤكدة، لولا تضحياته هو وزملاؤه، الذين شيدوا بدمائهم فى كل المدن والأحياء المصرية، حياة جديدة لشعبهم ووطنهم .
لم يتوقف البكاء و”على” يرتمى فى أحضان الرئيس السيسى، ويتشبث به بقوة، لعله يهنأ ببعض دفء الأبوة، بما قد يعوضه آلام الفقد .قالت تلك المشاهد المؤثرة، التى يذيب فيها الرئيس بلطفه ومحبته الصادقة، الحواجز بينه وبين الناس، ما لم يستطع الكلام قوله .
أثلج صدرى، ولعله أسعد ملايين غيرى، ما كشف خطاب الرئيس عنه من مبادرات جبارة تقوم بها الدولة لحماية أسر الشهداء والجرحى ورعايتهم ماديا ومعنويا. ولم يكن خاليا من المعنى، أن تمتد تلك الرعاية لتشمل شهداء ومصابى الحرب العربية ضد إسرائيل عام 1948 مرورا بعام56 وحرب الاستنزاف ونصر أكتوبر73، وحتى الحرب الضروس فى الأعوام الخمسة عشر الأخيرة، للتصدى للإرهاب وممارسيه والمحرضين عليه، وإعادة بناء مؤسسات الدولة التى تم تخريبها وتدميرها ونهبها، من قبل جماعة الإخوان وبأموالها وأنصارها وداعميها.
ولعل الخطاب قد أراد أن يضع فى سلة واحدة أعداء الخارج والداخل، لكى يوضح التحديات الجسيمة المستمرة أمام مصر، أرضا وشعبا ودولة، والتى تمكنت ولاتزال بتحديث شرطتها وجيشها، وتأهيل أفرادهما، وبوحدتيهما مع الشعب، من التغلب عليها.
نوه الخطاب إلى ضرورة أن يقوم كل فرد بواجبه على الوجه الأكمل. أما المسئول، الذى أكد الرئيس أنه مسئول عن رعيته، فعليه، أن يرحل من موقعه، إذا لم يكن قادرا على القيام بمهامه، هكذا ببساطة،”ووش كده “بلغة الشباب المستحدثة .فإذا بات من الضرورى أن يجدد الرئيس التأكيد على أن الإيمان الحق قضية فردية بين الإنسان وخالقه، ولا وصاية من أحد عليه ولا إكراه فى الدين، فلم يكن ضروريا أن ينتظر غيره، تدخله بنفسه، للمطالبة بوضع تشريع لضبط استخدام الأطفال تطبيقات التواصل الاجتماعى.
كان خطاب الرئيس واحدا من أقرب خطاباته إلى الجماهير وإلى المسئولين التنفيذيين، وأكثرها بعثا على الثقة بالنفس، وعلى الثقة بالدولة التى نعيش على أرضها وعلى الأمل فى حاضرها ومستقبلها. وفى خطابه جدد الرئيس موقف مصر الثابت المتمسك بوحدة أراضى الدول العربية ورفض تفتيتها على أيدى مليشيات مغامرة . وأوضح موقفها من القضية الفلسطينية، الذى يجرى تأكيده فى كل المحافل الدولية وأخرها منتدى دافوس الاقتصادى فمصر تصر على رفض التهجير أو الالتفاف الجزئى أو الشامل على اتفاق شرم الشيخ ، الذى يتكون من ثلاث مراحل، تبدأ بوقف فورى لإطلاق النار فى غزة، وتبادل الإفراج عن الأسرى بين حماس وإسرائيل، وانسحاب القوات الإسرائيلية من القطاع، وسرعة إدخال المساعدات الإنسانية إليه، وتدشين عملية إعادة إعماره، التى تراوغ إسرائيل حتى اللحظة فى الالتزام به . فضلا عن التأكيد على حق الشعب الفلسطينى فى إقامة دولته فى الضفة وغزة وعدم الفصل بينهما.
ومن حظ مصر، وسياساتها الخارجية الحكيمة والمتوازنة، أن تحظى مواقفها الخارجية بتأييد وثقة فى الساحات الدولية. وبدا لافتا للنظر أن رؤية الرئيس بأن ما يموج به العالم من صراع ، وما يشهده من صدامات أيدولوجية واقتصادية تهز أركان الدول وتبدد مقدرات الشعوب سيفضى إلى انهيار منظومة القانون الدولى، ويقوض النظام العالمى الذى تأسس بعد الحرب العالمية الثانية ومؤسساته، هى رؤية تقترب من مواقف روسيا والصين وعدد من الدول الأوروبية ودول الجنوب العالمى، وحتى من كتاب ومفكرين أمريكيين اعترضوا على تشكل مجلس السلام بسلطة شخصية لا معايير لها سوى المعاملات المالية والصفقات. وانتقد المفكر السياسى الأمريكى”فوكوياما ” صاحب نظرية نهاية التاريخ، التى بشر فيها بعد سقوط الاتحاد السوفيتى، بأن النظام الديمقراطى الليبرالى واقتصاد السوق هما صورة الحكم الأمثل والنهائى للبشرية، انتقد خطاب ترامب فى دافوس، وأشار إلى أن إدارته تدمر المؤسسات، وتستبدلها بخيارات شخصية تعود على صانعها بالنفع بالضرورة، موضحا أن المؤسسات هى هياكل لا يعتمد عملها على شخص واحد، بل تبقى قائمة حتى بعد أن يرحل من أسسوها. والحال أن مصر ترفض فى خطابها،هدم منظومة هيئة الأمم المتحدة القائمة بدلا من السعى لإصلاحها.

التعليقات متوقفه

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More

Privacy & Cookies Policy