في أبريل من هذا العام، يمر نصف قرن على تأسيس حزب التجمع الوطني التقدمي الوحدوي، وهنا بالتحديد لابد أن نحتفي بفكرةٍ قاومت، وبحلمٍ صمد، نحتفل بذاكرةٍ وطنيةٍ لم تساوم يومًا على جوهرها. خمسون عامًا هي سيرة نضال ممتدة، تم كتابة فصولها بالعرق والصمود، وبإيمانٍ عميق بأن هذا الوطن يستحق الأفضل.
وُلد “التجمع” في لحظةٍ فارقة من تاريخ مصر، هذه اللحظة التي كانت بلادنا فيها في أشد الاحتياج إلى صوت مختلف، صوت يخرج من بين صفوف الناس ليعبر عنهم ويدافع عن حقوقهم في وجه سياساتٍ لم يكن يراها عادلة.
منذ اللحظة الأولى، اختار الحزب موقعه بوضوح مع العمال والفلاحين والطبقة الوسطى، وبالإجمال يمكننا القول إن الحزب اختار موقعه مع كل من يحمل همّ هذا البلد على كتفيه. لذلك لم تكن الطريق مفروشة بالورود، والكل يعرف أنه في سنوات الرئيس أنور السادات دفع الحزب ثمن مواقفه الجذرية، حين طاردت السلطة كوادره، وأصبح أعضاؤه ضيوفًا دائمين في المعتقلات. لكن وكما يحدث دائمًا مع الأفكار الكبيرة، لم تنكسر الفكرة بل ازدادت صلابة. خرج “التجمع” من المحنة أكثر رسوخًا، وأكثر يقينًا بأن معركته ليست عابرة، بل ممتدة بطول هذا الوطن.
في قلب هذه المسيرة يقف اسم المناضل الكبير خالد محيي الدين، مؤسس الحزب وزعيمه التاريخي، الذي لم يكن مجرد قائد سياسي بل كان ضميرًا حيًا وصوتًا نقيًا في زمنٍ اختلطت فيه الأصوات. قاد زعيمنا معارك برلمانية مشهودة، وترك إرثًا من النزاهة والشجاعة الفكرية جعل من “التجمع” مدرسةً سياسيةً قائمة بذاتها. وهنا يتجلى دور المفكر الكبير رفعت السعيد، الذي حمل الراية من بعده، ليؤكد أن الحزب ليس فقط ساحة نضال بل أيضًا ساحة فكر. عبر كتاباته وتحليلاته أسس لخطاب تقدمي عقلاني حافظ على هوية الحزب، وواجه محاولات التشويه والتهميش بثقة العالم وبصيرة المثقف.
وعلى امتداد هذه الرحلة مرّت أسماء صنعت الفارق وكتبت سطورًا مضيئة في سجل النضال، من بينهم المناضل العمالي الصلب البدري فرغلي، الذي ظل صوتًا للعمال في الشارع والبرلمان، والاقتصادي الكبير إسماعيل صبري عبد الله، الذي دافع عن فكرة العدالة الاجتماعية بعلمٍ راسخ، وفؤاد مرسي الذي حمل على عاتقه تبسيط المصطلحات الاقتصادية أمام أعضاء الحزب وكوادره والتحذير من سياسات الانفتاح وتداعياتها على المجتمع والناس، والمناضل الشجاع أبو العز الحريري الذي جسّد معنى الانحياز الحقيقي للناس.
كما لا يمكن إغفال أسماء أخرى ساهمت في ترسيخ هذا الكيان مثل مختار جمعة ومحمد الضهيري ورأفت سيف ومحمد عبد العزيز شعبان والقائد العمالي عبدالحميد الشيخ وغيرهم ممن شكلوا نسيجًا متماسكًا من الكفاح والعمل العام.
ومع تعاقب الأجيال لم ينقطع الخيط، جاء جيل الوسط ليحمل الشعلة مؤكدًا أن “التجمع” ليس ذكرى بل مشروع مستمر. في مقدمة هذا الجيل يبرز اسم سيد عبد العال، الذي قاد الحزب في مرحلة دقيقة محافظًا على توازنه بين الثوابت والتحديات، إلى جانب وجوهٍ مخلصة مثل محمد سعيد وأمينة النقاش وهلال الدندراوي الذين ظلوا أوفياء للفكرة، حراسًا لها من التآكل أو الانحراف. كما لا ننسى محمود حامد الذي انصهر في الحزب وقدم الكثير من الأنشطة والرؤى وخطط العمل الحزبي والصحفي قبل أن تشغله الحياة في مجالات أخرى دون أن يخفت ضوء “التجمع” الساكن في قلبه وعقله. أما كاتب هذه السطور فيعتز ويفخر بمشاركته في وضع طوبة في بناء هذا الصرح الشامخ.
واليوم، ونحن نطل على الجيل الثالث، تتجدد الآمال، يظهر من بين صفوف الشباب صوتٌ جديد يحمل نفس الروح وإن اختلفت الأدوات. ومن بين هذه الأصوات يبرز النائب أحمد بلال كأحد رموز المستقبل، في امتداد طبيعي لسلسلة لم تنقطع ولن تنقطع.
خمسون عامًا من النضال كانت فيها لحظات انتصار كما كانت فيها لحظات انكسار، لكن ما يميز “التجمع” أنه لم يختفِ في لحظات التراجع ولم يبالغ في لحظات الصعود. ظل ثابتًا على جوهره: الدفاع عن دولة وطنية قوية، وعن تنمية مستقلة، وعن اقتصاد يعتمد على الذات لا على الإملاءات.
في زمنٍ تتبدل فيه المواقف بسرعة وتذوب فيه الفوارق بين الشعارات، يظل “التجمع” شاهدًا على إمكانية الاستمرار دون التفريط. حزبٌ لم يكن يومًا حزب سلطة بل حزب فكرة، لم يكن حزب مصالح بل حزب انحياز واضح للناس.
وربما كانت أعظم قيمة في هذه المسيرة أنها لم تنفصل يومًا عن الواقع. لم يكن الحزب برجًا عاجيًا بل كان دائمًا في قلب الشارع: في المصانع، في الحقول، في الجامعات. يسمع ويجادل ويخطئ أحيانًا، لكنه لا يغيب.
اليوبيل الذهبي ليس محطةً للحنين فقط بل فرصة للتأمل: ماذا قدمنا؟ وأين أخفقنا؟ وكيف نعيد تجديد الفكرة دون أن نفقد روحها؟ هذه الأسئلة ليست ترفًا بل ضرورة إذا أردنا أن يظل “التجمع” حيًا لا مجرد اسم في كتب التاريخ.
التحية في هذه المناسبة ليست فقط لقياداتٍ رحلت أو لأسماءٍ صنعت المجد، بل لكل عضوٍ بسيط، لكل من آمن بالفكرة، لكل من وقف في مظاهرة أو كتب بيانًا أو دافع عن عاملٍ أو فلاحٍ أو طالب. هؤلاء هم “التجمع” الحقيقي.
خمسون عامًا مرت، والنهر ما زال يجري. قد تتغير مياهه لكن مجراه ثابت، كذلك هو “التجمع” يتجدد لكنه لا ينكر أصله.
تحية لحزبٍ آمن بأن الوطن أكبر من السلطة، وأن العدالة ليست شعارًا بل معركة. تحية لخمسين عامًا من الصمود.. ولحلمٍ لا يزال ممتدًا في انتظار أن يتحقق كما أراده أصحابه، والحلم هو مصر التي نريدها.
*نقلا عن موقع البوابة نيوز …

التعليقات متوقفه