ضد التيار ..أمينة النقاش تكتب:سياسة البحث عن شماعات

67

ما بات معروفا أن لكل فاكهة موسم. أما ما أضحى متوقعا بالضرورة، ان الهجوم على عبد الناصر وعهده، قد صار الآن  فى كل المواسم : يشتد الهجوم  عليه وعلى  ومشروعه، فى مواسم الكشف عن عجز الحكومات عن تحقيق الرخاء الذى وعدت به شعوبها، وفشلها فى تحقيق التنمية الاقتصادية والأمن السياسى والاجتماعى. موسم الفشل فى الحفاظ على دولة الاستقلال الوطنى، بجلب القواعد الأجنبية التى تستنزف مواردها، بزعم حمايتها. موسم التبديد الشامل، عن جهل عن  عمد، لكل أوراق القوة العربية فى مواجهة مخطط استعمارى ممتد منذ الخديعة الكبرى، التى تعرض لها العرب، فى الثورة العربية الكبرى التى قادها الشريف حسين بن على ، بدعم من بريطانيا الاستعمارية، لحثه على التحالف معها وفك الارتباط بالدولة العثمانية المتحالفة  ضدها مع دول المحور، فى الحرب العالمية الأولى. أما المقابل فهو منح الدول العربية حقها فى الاستقلال بعد انتهاء الحرب .

وخلال اشتعال الحرب كان يجرى سرا توقيع اتفاقية سايكس -مايو 1916- بين بريطانيا وفرنسا، لكى تتقاسم قوتان استعماريتان دول المشرق العربى، بغير أن  تمنح دوله استقلالا ولا يحزنون. وبعد انتهائها، تبدل اسم الاحتلال إلى الانتداب، ومنحت إسرائيل وعد بالفور. ولكى تنجح تلك الخديعة، تم تمويل الثورة العربية بنهب مصر بواسط الاحتلال البريطانى.  وكشف “محمد حسنين هيكل “أن بريطانيا، قد نهبت 35 مليون كيلو ذهب من مصر، لكى تغرى الشريف حسين وأبناءه بفض التحالف مع الأتراك بالثورة على الولاة العثمانيين. وتلك واقعة مهمة، استقاها هيكل من معرفته العميقة بالوثائق البريطانية. وهى واقعة بين وقائع أخرى كثيرة، مهداه لتذكير من غشيتهم الذاكرة، ومن لا يرعو منهم، لعلهم يفقهون!

لا يقرأ العرب تاريخهم. فحين يكون الخارج هو العماد والسند، عند اتخاذ القرار الوطنى السياسى والعسكرى وحتى الاقتصادى، وتمنح ثقة مفرطة فى قوى أجنبية استعمارية تسعى فقط لخدمة مصالحها، باستغلال الدول ونهب ثرواتها، فالنتيجة المؤكدة التى تفضى إلى ذلك هى الفشل والهزيمة. وبدلا من الاعتراف بذلك، يتم البحث عن معادل موضوعى، يستوحى منه أسباب وتفاصيل هذا الفشل، فتصبح هزيمة عبد الناصر فى يونيو 1967، وتصبح معاهدة السلام المصرية –الإسرائيلية، التى تم توقعيها بعد هزيمة إسرائيلية فى حرب 73 التى مكنت مصر من تحرير أرضها المحتلة، بشروط وتوزانات القوى الدولية المتحكمة فى القرار الدولى، أثناء اشتعال الحرب الباردة .

أحدهم قال لى، فيتنام حررت بلادها فى تلك الأجواء الدولية، بحرب تحرير وطنية وشعبية. دون أن يذكر أن إسرائيل كانت دولة عضو فى الأمم المتحدة، مدعومة عسكريا وماليا من دول الغرب الأوروبى والأمريكى، وأن قوتين دوليتين كبيريتين هما الصين والاتحاد السوفيتى كانتا تتنافسان فى دعم فيتنام بالمال والسلاح، رغم ما كان بينهما من صراع إيدولوجى وخلافات فكرية، فضلا عن دعم معظم دول العالم الثالث ودول حركة عدم الإنحياز، وأمريكا الجنوبية لفيتنام فى كل المحافل الدولية. ومع ذلك فقد كانت اتفاقيات كامب ديفيد وما انتهت إليه فى المعاهدة، محلا لمعارضة قوى مصرية شعبية وسياسية وحزبية ومستقلة لها ولآثارها، فى القلب منها كان حزب التجمع، الذى قاد حركة مقاومة التطبيع مع إسرائيل فى المجالات الثقافية والاقتصادية والسياسية. ولاتزال إسرائيل حتى اليوم، تشكو من مظاهر السلام البارد بينها وبين مصر، لا سيما على المستوى الشعبى، حيث ينفر العاديون من المواطنين بتلقائية، من كل ماهو إسرائيلى. بينما تُشّيد كبرى الشركات وتنتعش الوفود السياحية الإسرائيلية، ويتجول كبار المسئولين الإسرائيليين علنا فى وضح النهار، فى عواصم بعض الدول العربية، التى لا حدود لها مع إسرائيل ولا حروب، ولا أرض محتلة لها من قبل الدولة العبرية .

سياسة البحث عن شماعات لتعليق الخيبات العربية المتتالية عليها، وتبريرها بحملات إعلامية وصحفية ممن يعرضون أنفسهم كسلع تباع وتشترى، بسيل من الهجوم على نظام عبدالناصر ومشروعه، لن تجدى نفعا طوال 65 عاما من رحيله المشكوك فى أسبابه . ورغم هجوم قوى الرأسمال المحلى والأجنبى على مشروعه، بعدما ربح من تفكيك ونهب شركاته ومصانعه ومؤسساته، فقد نجح هذا المشروع فى أن يبقى –رغم كل شىء – جذوة قيم الكرامة الوطنية، والحرية واستقلال الإرادة الوطنية والاقتصادية والسياسية متقدة، ليس  فى وجدان كل عربى فحسب، بل كذلك وجدان  كل شعوب الدنيا التى تتوق شوقا إلى العدل والمساوة والحرية .

وبدلا من البحث عن شماعات، كان آخرها التشكيك فى سياسة مصر الخارجية والعربية، من عدد من شذاذ الآفاق والمرتزقة والباحثين عن دور، و تكديس ثروة من المال النفطى، فعلى هؤلاء وغيرهم دراسة النتائج المترتبة على الفوضى التى يشيعها النظام الأمريكى للتقسيم الاحتكارى لموارد وأسواق العالم، وبينها موارد النفط والغاز والمعادن الثمينة والموارد الطبيعية الأخرى، لكى تحل تلك الاحتكارات محل المنافسة الحرة التى روج لها النظام الرأسمالى. وفى النظام الدولى، تسعى الآن  الأنظمة التى تقودها أحزاب عمالية واشتراكية للتكتل للمشاركة فى إعادة بناء النظام الدولى الجديد، بعدما هدمت أركانه السابقة بالحرب على غزة والقرصنة الأمريكية فى فنزويلا، والحرب الإسرائيلية –الأمريكية على إيران . وفى الجنوب العالمى، تبحث دوله عن إحياء صيغة دول عدم الإنحياز. والبقاء كما كنت، لن يجنى منه العرب سوى مزيد من الحسرات والخيبات .

التعليقات متوقفه

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More

Privacy & Cookies Policy