ماجدة موريس :الحروب.. وصناعة الحياة
لم يعد العالم كما كان بالنسبة لي ولغيري، ففي كل يوم، بل كل ساعة، تأتينا أخبار جديدة، وصور، والأهم هي الفيديوهات التي تحكي الحدث بالصورة والحركة، وفي زمنه، وهو ما رأيناه الأحد الماضي حول محاولة اغتيال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التي بدت كلعبة ضمن ألعاب السوشيال ميديا، لكنها أثارت تساؤلات عند كثيرين منا حول إنقاذ نائب الرئيس دي فانس أولا، ثم ما فعلته زوجة ترامب السيدة الأولى لتهرب من المكان إلخ.. هذه الوقائع والأحداث كنا نسمع عنها فقط سابقا، وكانت تشغل بعضنا ولكني أعتقد أنها.. مع التطور الكبير في استخدام تكنولوجيا الاتصالات استطاعت أن تجذب الكثيرين إلى متابعتها من خلال أجهزة الموبايل قبل قنوات التليفزيون، وربما يسبب هذا الاهتمام بالوسيلة نفسها هدرًا غير قليل للوقت لدي الكثيرين منا، لكنه يتسبب أيضًا في إتاحة الكثير من المعلومات والمعرفة لمن أراد هذا، خاصة فيما يخص قضايا كبرى تؤثر كثيرا على مسار العالم مثل الحرب الدائرة الآن بين أمريكا وإسرائيل وبين إيران والتي حولت الاهتمام عن العدوان الإسرائيلي على غزة والذي لم ينته بعد ثلاث سنوات كاملة (2023-2026) والذي تطور الآن إلى استكمال العدوان بشراسة في الضفة الغربية التي كان من المفترض إنها الجزء المخصص مما تبقي من فلسطين ليكون عماد الدولة الفلسطينية الجديدة، ولكن، لأن دولة الاحتلال والعدوان لا تعترف بأية معاهدات دولية، فهي تطلق قطعان مستوطنيها في المنطقة لتخريب كل ما هو فلسطيني، من أشجار الزيتون إلى البيوت، والممرات والشوارع وحتي طرد وقتل أصحاب الأرض أنفسهم، وبرغم أن بعض الدول الأوروبية مثل فرنسا وألمانيا أدانت قيام بعض هؤلاء بالعدوان البشع وأعلنت عقابهم إلا أن هذا لم يغير شيء في المعادلة، أي معادلة دعم دولة العدوان والإبادة للشعب الفلسطيني، ومن هنا كان من الضروري معرفة ما الذي يحدث لرجال العالم ونسائه بعد إفاقتهم من الصورة التي أقنعتهم الميديا الغربية بها من أن إسرائيل بريئة وطيبة وديمقراطية وسط محيط يكرهها، ولأن الذاكرة الجماعية لا تحتفظ بالتاريخ الطويل للعدوان الذي بدأ منذ ثمانين عاما تقريبا مع بداية النكبة (1948) بل وقبلها قبل الإعلان رسميا عن سرقة دولة فلسطين و قيام دولة إسرائيل مكانها، إلا ان العالم الذي لم تعرف شعوبه هذه الحقائق عرفها أخيرا، ورأى بعينيه جهد جيش (الدفاع) الإسرائيلي لقتل النساء والرجال، والأطفال قبلهم، في غزة، وتحويل قطاع غزة إلى أطلال وأكوام بائسة من الخيام والأحجار والخرائب، عرفت الشعوب من هو المعتدي ومن هم الضحايا لتنطلق مظاهرات في أغلب دول العالم، خاصة داعمي إسرائيل من دول أوروبا، أما أمريكا التي ترسل الأسلحة المجانية إلى دولة الاحتلال فقد فعلت ما هو أكثر حين منعت مظاهرات طلاب جامعاتها ضد هذا العدوان، وقامت بعزل رؤساء بعض الجامعات، وأساتذتها، وأخيرًا فصل الطلبة، وأيضًا فعل بعض الرؤساء لدول أوروبا أعمالًا مماثلة ليصبح رد الفعل أكثر تطورًا حين تصدى الكثير من مشاهير الإعلام والسينما والمسرح والغناء لهذا وأعلنوا دعمهم لفلسطين في مناسبات دولية مهمة مثل حفل الأوسكار ومهرجانات السينما ف كان، وڤينيسيا وبرلين وغيرها، ولتصبح قضية دعم فلسطين من أهم قضايا العالم منذ نهاية 2023 وطوال 2025 وصولًا لعامنا الحالي.
من يرى.. ومن يسمع
(نتعهد بقول الحقيقة نيابة عن الشعب الفلسطيني) هكذا قال الفنان الكبير مات ديمون في موقف له بعد رفضه دعوة لزيارة الكيان الصهيوني.. أما الفنانة الإسبانية الشهيرة بينلوبي كروز، فقد رأيت لها ڤيديو صباح الإثنين الماضي وهي تعلن عن رفضها لحرب الإبادة الجماعية على الفلسطينيين، وفي سبتمبر من العام الماضي وقع أكثر من 1300 فنان وفنانة من الكبار في العالم تعهدت بمقاطعة مؤسسات السينما الاسرائيلية، وقبلها وقع المئات من النجوم على المطالبة بوقف إطلاق النار في غزة. ومقاطعة دولة العدوان، أسماء كبيرة ساهمت برفضها للعدوان في إعلاء ودعم تأييد حركة شعوب العالم ضد إسرائيل، وهو أكبر نجاح تسجله السوشيال ميديا في تقديري وتقدير كثيرين لكونها -من خلال نزع الستار عن أكاذيب طالت تاريخيا- أظهرت الحقيقة أخيرًا ليعرف العالم من هو المعتدي، ومن هو الضحية، وكيف ترتكب الجرائم لإبادة شعب وتقوم آلة الكذب بقول العكس، وهو ما يعني أيضًا أن العالم خارج العالم العربي -بعد سنوات وسنوات من تصديق الكذب -عرف الحقيقة فقط لأنها أصبحت تنتقل إليه بعد دقائق (برغم منع إسرائيل للصحفيين الأجانب من تغطية الحرب على غزة، وقتلها أكثر من 120 صحفيًّا فلسطينيًّا) وهكذا حلت قضية المعرفة الحقائق التي كانت ممنوعة على العالم حول إسرائيل، ربما لتساهم في صناعة حياة جديدة لأهل غزة والضفة، أو على الأقل، تعيد تصحيح الصورة في منطقتنا، وفي قطاع غزة وإعادة إعماره بعد الخراب بينما تبدو الصورة أصعب الآن في الضفة الغربية ومحاولة إسرائيل انتزاعها حتى لا تقوم دولة فلسطينية على أي جزء من فلسطين، إنه أمل جديد يأتي بفضل دعم جديد من شعوب عرّفت الحقائق المخفية، ورأت ما لم تره من قبل، ومن هنا أصبحت المحافل الفنية الدولية مليئة بشخصيات ترفع صوتها وترتدي الكوفية والشال الفلسطيني وتعلن بفخر دعمها لفلسطين وشعبها. لتبدو وكأنها دعوة لصناعة الحياة من جديد.

التعليقات متوقفه