ضد التيار..أمينة النقاش تكتب:أول الرقص حنجلة
بدون إحم ولا دستور، أعلن رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولى فى مؤتمر صحفى الخميس الماضى، أن منظومة التحول من الدعم العينى للسلع إلى الدعم النقدى سيبدأ تطبيقها مع العام المالى الجديد فى يوليو المقبل، أى بعد أسابيع قليلة . وفى سعيه لتبرير هذا التحول الذى تمهد له حكومته منذ سنوات، أشار إلى أن منظومة الدعم السارية الآن، تشهد نسبا من التسرب والهدر المالى والسلعى وعدم الكفاءة، التى تراكمت عبر سنوات ووصلت فى الخبز وحده إلى نسبة 25%. وأوضح دكتور مدبولى أن هذا التحول يهدف إلى رفع كفاءة توزيع الدعم وضمان وصوله إلى مستحقيه، وإعادة هيكلته، دون تقليله أو خفض قيمته، وتقسيمه إلى شرائح، لكى تحصل الفئات الاجتماعية الأكثر احتياجا على نصيب أكبر من هذا الدعم .
وطبقا لما تم تدواله من معلومات صحفية، فسوف تجرى مراجعة جداول المستفيدين من الدعم الذين يبلغ عددهم الآن 68مليون مواطن، لتنقية تلك الجدوال وحصرها فقط فى الفئات الاجتماعية الأقل دخلا والأكثر استحقاقا. كما أن النية تتجه إلى منح كل فرد فى البطاقة التموينية مبلغا يتم صرفه ببطاقات ذكية عبر منافذ البريد، يترواح ما بين 300 إلى 350 جنيها.
يقول المثل الشعبى ساخرا أن أول الرقص حنجلة. ومعنى المثل أن الوصول إلى الأمور الكبيرة يبدأ عادة بالتدرج بأخذ خطوات صغيرة –الحنجلة هى القفز ببطء على قدم واحدة -، وهو ما أسماه كيسنجر سياسة الخطوة خطوة. ومنذ أكثر من خمسين عاما، والحكومات المتعاقبة تدور فى دائرة عنكبوتية شريرة، عاجزة عن الإفلات من شراكها، رسمها وصممها لها صندوق النقد الدولى، تنطوى عددا من الشروط بينها إلغاء الدعم، والتخفيض المستمر للعملة الوطنية، وتخفيض الانفاق الحكومى على الخدمات الصحية والتعليمية والسكنية، ورفع يد الدولة عن النشاط الاقتصادى بزعم جذب الاستثمار وتشجيع القطاع الخاص على النمو .
وبدلا من تنفيذ خطط تنمية زراعية وصناعية منتجة ومستدامة، أصبحت البلاد تستهلك وتستورد أكثر مما تنتج وتصدر وتدخر، وهو ما أدى إلى معالجة هذا الخلل فى المنظومة الاقتصادية ، بمزيد من الخلل عبر زيادة الاقتراض الخارجى دون ضوابط، بما أثقل موارد الدولة بزيادة الديون، واتساع تراكمها لخدمة دفع أقساطها وفوائدها، وارتفاع نسب التضخم واستمرار تلك السياسة حتى اليوم، برغم أن التجارب المتعاقبة أسقطت وهم امكانية تحقيق نمو فى الاقتصاد المصرى فى وجود حجم هائل من الديون وأعبائها، فضلا عن الضغوط الخارجية التى تمارسها المؤسسات والدول التى تمنح القروض وتتحكم فى طرق انفاقها. كما أنها أثبتت كذلك إحجام المستثمرين الأجانب والمحليين عن الاستثمار فى مشروعات إنتاجية تساعد الاقتصاد على النمو، لتغدو النتيجة هى ما بات يحدث الآن: تفاقم معدلات التضخم، وتدهور شامل فى الخدمات العامة ، وفوضى فى الاسواق، وغيبة آليات ناجعة لمراقبتها، وزيادة فى الأسعار، تلعب دورها المعهود فى زيادة معدلات الفقر والبطالة، والتدهور المستمر فى مستوى معيشة الفئات الاجتماعية المحدودة الدخل، والثابتة الأجر فى المجتمع المصرى!
وفى ظل أزمة اقتصادية طاحنة، كما هو الحال الآن، فإن تحويل الدعم العينى للسلع إلى دعم نقدى فى مثل تلك الظروف، لا يشكل حلا لأزمة الاقتصاد المصرى، بل يعد مغامرة حكومية محفوفة بالمخاطر الجسيمة. إذ المعروف أن القيمة الشرائية للفلوس تنخفض بمرور الوقت، ويتم التهامها بارتفاع معدلات التضخم واشتداد حالة الغلاء، بينما تظل سلعة الشاى والسكر والفول والزيت وغيرها من السلع المدرجة فى بطاقة التموين ثابتة فى كل الظروف. وليس هناك ما يمنع من تنقية جداول البطاقات التمونية بشطب غير مستحقيها، أما الإصرار على تنفيذ منظومة الدعم النقدى، فلا معنى له سوى أن الخطوة التالية فى هذا السياق، هى الاستجابة لشرط صندق النقد بإلغائه نهائيا، لتزداد حدة السخط الاجتماعى ويتهدد أمن مصر الاجتماعى، الذى يقف فعلا الآن، على جرف من نار!

التعليقات متوقفه