الحضانة والاستضافة .. الأكثر جدلا.. ثورة الآباء والأمهات على مشروع قانون الأسرة الجديد
الأمهات تعترض على الاستضافة وتؤكد تهديد للامان
الآباء يرفضون سن الحضانة واستمرارها بعد زواج الأم
“مصلحة الطفل”.. الشعار الذي يرفعه الجميع ..ولكنه الطرف الأضعف في النقاش
تحقيق: نجوى إبراهيم
أعادت بنود مشروع قانون الأسرة الجديد الذى أعدته الحكومة مؤخرا إشعال واحدة من أكثر القضايا حساسية داخل المجتمع المصري بعدما فجّرت موجة واسعة من الجدل والانقسام بين الآباء والأمهات، فكلا منهما يتهم مشروع القانون بالتحيز لطرف على حساب الآخر ، فيما اعتبره عدد من الحقوقيين والمحامين والمنظمات النسوية، بأنه لم يقدم حلولًا حقيقية للأزمات القائمة، بل زاد من تعقيد المشهد..
ورغم أن المشروع يتضمن تعديلات واسعة تمس ملفات الطلاق والحضانة والنفقة والرؤية والاستضافة والولاية التعليمية، إلا أن المنظمات النسوية تراه غير مكتمل لا يعالج جذور الأزمة، ويعيد إنتاج التمييز ضد النساء في بعض مواده، خاصة ما يتعلق بالحضانة وزواج الأم واختلاف الدين،فيما أكد عدد كبير من الآباء أنه يكرس فكرة حرمان الأب من أبنائه ويحمّله أعباء مالية متزايدة نظرا للإبقاء على سن الحضانة كما هي.
قابل للتعديل
ورغم تأكيد الحكومة أن المشروع لا يزال قيد النقاش المجتمعي، وأنه مسودة قابلة للتعديل فإن حالة الغضب المتصاعدة على مواقع التواصل الاجتماعي، وحملات الأمهات الرافضات لبعض مواد الاستضافة والحضانة، تكشف حجم الرفض الذي يحيط بالقانون قبل مناقشته في البرلمان
وفي قلب هذا الجدل، يبقى السؤال الأهم:
هل سيحقق مشروع القانون فعلًا مصلحة الطفل الفضلى كما ينادي الجميع، أم يتحول إلى ساحة جديدة للصراع بين الآباء والأمهات ؟!
أبرز البنود
ومن أبرز البنود التي أثارت الجدل، الإبقاء على سن الحضانة عند 15 عامًا مع تخيير الطفل بعد ذلك في الإقامة مع من يريد، إلى جانب وضع الأب في المرتبة الثانية مباشرة بعد الأم في ترتيب الحضانة، وهو ما اعتبره البعض انتصارًا لحق الأب في تربية أبنائه، بينما رأت مجموعات من الآباء أن المشروع أبقى على الأزمة كما هي بسبب استمرار سن الحضانة عند 15 سنة .
وفي المقابل، تصاعد غضب قطاعات واسعة من الأمهات بسبب المقترحات المتعلقة بالاستضافة والمبيت للطرف غير الحاضن، وسط مخاوف من غياب الضمانات الكافية لحماية الأطفال أو ضمان تنفيذ أحكام إعادة الطفل حال وقوع خلافات، خاصة مع شكاوى متكررة من عدم تنفيذ بعض أحكام الضم والرؤية حاليًا.
كما أثارت المواد المتعلقة بزواج الأم الحاضنة موجة واسعة من الانتقادات، بعدما نص المشروع على استمرار حضانة الأم لأطفالها حال زواجها في بعض الحالات، أبرزها إذا كان الطفل أقل من سبع سنوات. وبينما اعتبر البعض ذلك تطورا إيجابيا، رأت أصوات أخرى أن النص لا يزال يعاقب الأم على الزواج ويهدد استقرار الطفل النفسي.
الأمومة لا دين لها
ولم يتوقف الجدل عند هذا الحد بل امتد إلى المواد المتعلقة باختلاف الدين بين الحاضنة والطفل، إذ أثارت أحد بنود المشروع اتهامات بوجود تمييز ضد الأم المسيحية، بعدما ربطت استمرار الحضانة باتحاد الدين بين الحاضنة والمحضون بعد سن معينة، وهو ما اعتبره حقوقيون ومنظمات نسوية مخالفة دستورية تمس مبدأ المساواة وتهدد بتحويل الحضانة إلى وسيلة ضغط ديني، مؤكدين أن الأمومة لا دين لها وأن مصلحة الطفل يجب أن تظل المعيار الأساسي في أي قرار يتعلق بالحضانة.
فسخ الزواج
وفي ملف الطلاق، تضمن المشروع إلزام الزوج بتوثيق الطلاق خلال 15 يومًا، مع توقيع عقوبات على المخالفين، إلى جانب وضع إجراءات صلح إلزامية خلال السنوات الثلاث الأولى من الزواج قبل إتمام الطلاق أو الخلع، في محاولة للحد من معدلات الانفصال المبكر. كما منح المشروع الزوجة حق طلب فسخ الزواج خلال ستة أشهر إذا ثبت تعرضها للغش أو التدليس بشأن أمور جوهرية أخفاها الزوج قبل الزواج.
ورغم ترحيب بعض المنظمات بهذه البنود باعتبارها محاولة لضبط العلاقات الأسرية وحماية الحقوق، فإن اخرين حذروا من أن بعض النصوص قد تؤدي إلى زيادة النزاعات القضائية وتعقيد إجراءات التقاضي بدلًا من حل الأزمات القائمة.
الآباء يرفضون
الجدل لم يقتصر على النساء فقط، إذ عبّرت مجموعات من الآباء عن رفضها تحميل الآباء الأعباء المالية المستمرة ،خاصة فيما يتعلق بالنفقة وأجر المسكن واستمرار التزامات السكن نظرا لطول فترة الحضانة معتبرين أن المشروع ينظر للأب باعتباره ممولًا فقط دون معالجة حقيقية لحقه في المشاركة الفعلية في حياة أبنائه، كما رفض الكثيرون عدم نزع الحضانة من الأم مباشرة في حالة الزواج بأخر .
غياب آليات التنفيذ
في المقابل، تؤكد منظمات نسوية وحقوقية أن الأزمة الحقيقية لا تتعلق فقط بمواد القانون، بل بغياب آليات التنفيذ وضعف تطبيق الأحكام الحالية، سواء فيما يخص النفقة أو الرؤية أو تسليم الأطفال، إلى جانب غياب بيانات وإحصاءات رسمية دقيقة تساعد على صياغة قانون يستند إلى الواقع الفعلي للأسر المصرية.
قانون معطل
من جانبها أكدت المحامية هبة عادل، مؤسسة مبادرة المحاميات المصريات، أن مشكلة تعديل قانون الأحوال الشخصية مشكلة أزلية نعيش فيها قرابة ال 20 عام، لا نستطيع تعديله لأنه يتم تسويق اى تعديلات على أنها صراع بين الآباء والأمهات..واستمرار هذا النهج وتغذيته سيظل القانون معطل .
بنود جامدة
وأوضحت أن مخاوف الأمهات من الاستضافة حقيقية ولكنها تستند إلى حالات فردية استثنائية ، وكذلك الآباء لديهم مخاوف تستند على حالات فردية وكل طرف يريد قانون يتجنب هذه المخاوف ، ولكن إذا وضعنا مصلحة الأسرة ومعها مصلحة الطفل في مرتبة واحدة سنصل إلى بنود تحقق العدالة للجميع.
وأشارت إلى أن مشروع قانون الأسرة الجديد جاء ببنود صلبة وجامدة تطبق على كل الشرائح في المجتمع دون مراعاة الفروق والظروف، فالقانون نص على أن يكون الأب فى المرتبة الثانية بالنسبة للحضانة بعد الأم مباشرة ، ورغم أنه حق الآباء بكر يشاركوا فى تربية أبنائهم وحق للأبناء لكي يعيشوا فى بيئة متوازنة سليمة ، ولكن القانون أغفل أن هناك من يصلح لذلك ومن لا يصلح ولا يمكن تعميم الفرضية أن كل الآباء صالحون.
تخفيض سن الحضانة
والأمر الثاني كما ترى المحامية والحقوقية هبه عادل هو سن الحضانة ففى الوقت الذى تم تحديد سن الطفولة ب 18 سنة فى كافة المواثيق الدولية ومنها اتفاقية الطفل التى وقعت عليها مصر يتم إقرار سن الحضانة عند 15 سنة والنزول به إلى 7 سنوات فى حالة زواج الأم وهذا يضر مصلحة الطفل خاصة أن الطفل فى هذه السن يحتاج إلى رعاية أمه فما الضرر الذى سيعود على. المجتمع إذا استمر الطل فى حضانة أمه إلى أن يصل إلى سن 18 عام ، هل سيدفع له الأب نفقة ، متسائلة ألم ينفق الأب على الطفل إذا أخذه من أمه؟!..
نظرة شاملة
وأشارت إلى أننا نحتاج أن ننظر لقانون الأسرة نظرة شاملة متكاملة ولا نفصل الرؤية عن الحضانة عن الاستضافة ،فالأب الذى يرى أبنائه بانتظام فى مكان لائق ويستطيع أن يستضيفهم لديه لم يكون لديه مشكلة فى أن تستمر حضانتهم مع الأم .
وفيما يخص التعدد أوضحت أن القانون الحالى نص على ضرورة موافقة الزوجة الأولى على الزواج الثاني واعطى لها الحق التطليق للضرر في حالة الضرر خلال عام من تاريخ الزواج الثاني ، والتجربة ثبت أثبتت أنه كثيرا ما يتم إبلاغ الزوجات على عناوين وهمية ، ولذلك اشترط القانون الجديد الموافقة الكتابية ، ومرجع هذا الحقوق المتساوية لكل أطراف عقد الزواج ، وفيما يخص بند حق الزوجة فى فسخ العقد خلال 6 أشهر في حالة الغش والتدليس الإشكالية هنا آليات إثبات الغش والتدليس وان يكون يقين وليست ظني، واعتقد هذا مرجعه القاضي.
وثيقة التأمين
وحول وثيقة التأمين لصالح الزوجة ترى أنها سوف تؤمن المرحلة عقب الانفصال خاصة فى ظل إشكاليات النفقة وصعوبة التنفيذ في بعض الحالات ولن تصرفها الزوجة إلا فى حالة الطلاق البائن وليس الطلاق الرجعي، ولكن هذه النقطة تحتاج إلى تفاصيل فى اللائحة التنفيذية إذا ما تم إقرار القانون ، مثلا : هل ستكون بديل المؤخر ، وفى حالة لذلك تكن المطلقة حاضنة وتزوجت من اخر هل ستصرف الوثيقة أم لا ؟!
وأكدت أن النصوص أغفلت بعض الأمور ولذلك أعطت مساحة للتكهنات.
ضوابط قانونية
ومن جانبها أكدت المحامية والحقوقية انتصار السعيد مديرة مؤسسة القاهرة للتنمية والقانون ، أهمية أن يراعى مشروع قانون الأسرة المصلحة الفضلى للطفل ويراعي الأطراف الأكثر هشاشة وهما الأم وأطفالها ، مشيرة إلى تأييدها لفكرة الرؤية والاستضافة ، ولكن مع وضع ضوابط قانونية تضمن عدم خطف الطفل ، وأيضا ضوابط للرؤية.
وفيما يخص أن يكون الزواج أمام قاضي والطلاب فى السنوات الأولى لأن الأرقام تشير إلى نسب الطلاق بإرادة الزوج المنفردة تصل إلى 96 % و4 %منهم بأمر المحكمة ، والخلع بنسبة 3 %.
وأشارت إلى أن ترتيب الأب في الحضانة المرتبة الثانية أمر منطقي ، ولكنها نرفض بشدة معاقبة الام إذا تزوجت، و سحب الحضانة عند 7 سنوات للطفل، ومن الإيجابيات أيضا أن يكون الزواج الثانى بموافقة كتابية سواء من الزوجة الأولى أو الثانية موضحة أن هناك دول إسلامية سبقتنا في هذا مثل المغرب، وهذا سوف يحد من مسألة التعدد
مطالب الأمهات
فيما طالبت حملة أمهات تصنع المستحيل بتحقيق أقصى درجات العدالة والتوازن في قانون الأحوال الشخصية الجديد، بما يضمن حماية حقوق الطفل ويجعل مصلحة الصغير هي الأساس الحاكم لأي تشريع.
وتتمثل أبرز مطالب الأمهات في رفض نظام الاستضافة أو المبيت الإجباري، والاكتفاء بالرؤية في أماكن آمنة ، مع التوسع في الرؤية الإلكترونية بما يضمن استمرار التواصل بين الأب وأطفاله دون تعريض الطفل لأي اضطراب نفسي أو مخاطر تتعلق بعدم إعادة الصغير أو نقله بين بيئات غير مستقرة.
كما يطالبن باستمرار الحضانة للأم حتى سن 15 عامًا، باعتبارها المرحلة التي يحتاج فيها الطفل للاستقرار والرعاية المباشرة، مع الإبقاء على الولاية التعليمية الكاملة للأم الحاضنة لضمان عدم تعطل مستقبل الأبناء الدراسي.
فيما شددت لمياء بسيوني مؤسسة الحملة على ضرورة وضع ضمانات قانونية تمنع سفر الطفل أو نقله دون موافقة كتابية من الأم، وتشديد العقوبات في حالات إخفاء الأطفال أو الامتناع عن إعادتهم.
وطالبت بضمان حقوق الحاضنة المادية وتوفير نفقة عادلة تكفل حياة كريمة للأطفال والأمهات، مع آليات تنفيذ حقيقية وفعالة لأحكام النفقة والرعاية.
وتطرقت لمياء بسيوني إلى ملف الولاية التعليمية، مؤكدة أنه حق أصيل للطرف الحاضن، مشيرة إلى وجود حالات يقوم فيها بعض الآباء بنقل الأبناء من مدارس خاصة أو لغات إلى مدارس حكومية، أو حتى حرمانهم من التعليم، ما يؤثر سلبًا على مستقبلهم الدراسي وحالتهم النفسية.
ترتيب الحضانة
وفيما يتعلق بترتيب الحضانة، رفضت مقترح بعض الآباء جعل الأب في المرتبة الثانية، معتبرة أن كثيرًا من الآباء غير مؤهلين لتحمل مسؤولية الرعاية الكاملة، خاصة في حال وجود زوجة أخرى، مطالبة بأن تنتقل الحضانة في حال زواج الأم أو وفاتها إلى الجدة أو الأقارب الأقرب، مع إمكانية أن يأتي الأب في المرتبة الرابعة أو السادسة، بما يضمن مصلحة الطفل أولًا. وأشارت إلى تكرار حوادث مؤلمة تتعلق بتعرض أطفال للإيذاء أثناء وجودهم في حضانة الأب، وهو ما يستوجب الحذر في إعادة ترتيب الحضانة.
وأكدت على ضرورة أن يراعي القانون الجديد توفير بيئة آمنة للمطلقة وأبنائها، خاصة في ظل ما تعانيه كثير من النساء من مشقة وإجراءات معقدة داخل المحاكم للحصول على حقوقهن، مطالبة بإلزام الآباء بسداد النفقات بشكل عادل ومنتظم.
فيما أكدت النائبة ايرين سعيد أن مشروعات قوانين الأسرة لم تناقش حتى الآن داخل المجلس وما حدث هو صراع بين الأمهات والآباء وكأن مشروع القانون كشف عن فجوة كبيرة وتحول الأمر إلى خناقة بين طرفين والأطفال هم الحلقة الأضعف.
قانون متوازن
أكدت النائبة راوية مختار، وكيل لجنة القوى العاملة بمجلس النواب، أن ما يتم تداوله حاليًا مجرد نقاشات ولم يصدر مشروع قانون نهائي حتى الآن.
ورفضت بعض المقترحات مثل خفض سن الحضانة أو فسخ الزواج خلال 6 أشهر باعتبارها غير منطقية.
وشددت على أن مصلحة الطفل واستقراره النفسي يجب أن تكون الأولوية في مناقشة مشروع قانون الأسرة الجديد، مشددة على ضرورة الوصول إلى قانون متوازن يراعي مصلحة جميع الأطراف.
إعادة صياغة
ومع تصاعد الصراع والرفض لبنود القانون أعلنت الحكومة تشكيل لجنة مشتركة مع البرلمان لإعادة صياغة بعض المواد المثيرة للجدل..
و يبقى مشروع قانون الأسرة الجديد عالقًا بين مطالب الأمهات واعتراضات الآباء، حيث يرفع الجميع شعار مصلحة الطفل ، بينما يكشف حجم الصراع الدائر أن الوصول إلى قانون يحقق العدالة والتوازن داخل الأسرة المصرية لا يزال حلم يصعب تحقيقه.

التعليقات متوقفه