ضد التيار .أمينة النقاش تكتب :التعايش بين النظامين

69

فى يونيو1991 صدر عن سلسلة ” كتاب الأهالى” التي كان يرأس تحريرها ويشرف علي اختيار كتبها وإصدارها “صلاح عيسى” الكتاب رقم 33 تحت عنوان “التعايش بين الرأسمالية والشيوعية”، وهو وثيقة سياسية واقتصادية هامة وضرورية لفهم تطورات هذا العصر وطفراته، إذ ينطوى على حوار فكرى عميق جرى عام 1987 بين اثنين من ألمع المفكرين الاقتصاديين العالميين هما: السوفيتى “ستانيسلاس منشيكوف” والأمريكى “جون كنيث جلبرث “، وترجمته إلى العربية ترجمة بديعة الدكتورة شهرت العالم .
العالم السوفيتى متخصص فى الشئون الاقتصادية الأمريكية وكان يدرسها فى جامعة موسكو وعمل ممثلا لبلاده فى هيئات الأمم المتحدة المتخصصة. والعالم الأمريكى كان عضوا فى الحزب الديموقراطى، الذى يعد تاريخيا الحزب الأقدر على التعامل مع القضايا الاقتصادية، ويضفى دورا للدولة فى مسائل الحماية الاجتماعية فى دولة الرفاه . وكان جلبرت ممن انتقدوا الاتجاهات اليمنية المتشددة لنظامى “دونالد ريجان”، و”مارجريت تاتشر” فى المجال الاقتصادى، لأنهما حولا الحكومة إلى مجرد حارس على السوق، داعيا إلى ما أسماه الرأسمالية الإنسانية بالإنفاق الحكومى الأكبر على الخدمات العامة الأساسية كالتعليم والصحة والإسكان لتحقيق توزان اجتماعى بين من يملكون ومن لا يملكون وتحقيق الاستقرار الوظيفى الآمن للطبقة الوسطى .
أكد جلبرث، خطأ الاتجاه نحو قياس التقدم فى إجمالى الدخل القومى، بدلا من قياسه بعدد من يتمتعون بكامل الأمان فى المجتمع. وأوضح منشيكوف مؤيدا أن فلسفة البريطانى “جون كينز” الاقتصادية كانت تهدف إلى تحسين عمل النظام الرأسمالى بشكل أفضل وأكفأ ، وأكثر إنسانية.
بجانب أن نظرية كينز الرأسمالية كانت ترفض فكرة أن الأسواق تصحح نفسها، لذلك اعتبر تدخل الدولة ضرورة حيوية لضبط الأسواق ودعم الاستقرار الاجتماعى .
الكتاب مناظرة تكاملية إن جاز التعبير ممتعة ومفيدة، لكل من يهمه أن يفهم ما يجرى الآن من تغيرات فى العالم على الصعيدين الاقتصادى والسياسى، سواء كان قارئا مهتما بالشأن العام أو سياسيا نشطا، أو من هم فى موقع اتخاذ القرار. حيث يقدم الكتاب الأدلة والبراهين على أن التداخل والتبادل بين النظامين العالميين الرأسمالى والاشتراكى فى طريق التشكل، وأن استفادة كل منهما من النظام الاخر، والاعتراف بأخطائهما المشتركة، يخدم كلا النظامين، ويحقق السعادة للشعوب، وهو ما يقتضى الاعتراف بدور حتمى للدولة فى الاقتصاد فى النظام الرأسمالى، والقبول بالدور الأساسى للسوق لدى النظام الاشتراكى، ولدى ما يسميه جالبرث “اليسار الليبرالى”.
الكتاب رؤية مستقبلية ثاقبة لما بات يجرى فى عالم اليوم . التجربة الصينية التى أصبحت تشكل أكبر ثانى اقتصاد فى العالم هى التطبيق النموذجى لإمكانية التعايش بين النظامين الرأسمالى والاشتراكى، أى بين سياسة حرية السوق، وبين دور ملزم للدولة بداخله. وكل ما يجرى الآن فى أمريكا ترامب من تغيير لأنظمة واصطناع لمعارك وحروب وفرض لإجراءات جمركية، الهدف الأول منه وقف كل الاحتمالات والتوقعات بأن الصين سوف تصعد للمرتبة الأولى اقتصاديا خلال سنوات قليلة قادمة متفوقة بذلك على الولايات المتحدة الأمريكية .
وقبل نحو أسبوع تولى “أندى بيرنهام” منصبه كرئيس وزراء جديد فى بريطانيا، بعد ما نصبه حزب العمال لرئاسة الحزب، عقب استقالة سلفه “كير ستارمر “بعد تراجع شعبية الحزب وتحقيقه نتائج هزيلة فى الانتخابات المحلية، وتصاعد الأزمات السياسية والاقتصادية فى البلاد.
ولم يكن خطاب بيرنهام الأول وهو يتجه إلى تشكيل حكومته الجديدة، سوى نقد حاد لسياسات تاتشر الاقتصادية، حيث قال بالنص مخاطبا الجمهور: ..هذه اللحظة فرصة للتأمل واتخاذ قرارات جديدة ..فى الثمانينات اتخذت بريطانيا بعض الخطوات الخاطئة، إذ تركزت السلطة السياسية، وتم خصخصة القوة الاقتصادية للبلاد، وتوقف التصنيع فى أجزاء كبيرة من بريطانيا، ولم يستطع هذا القطاع التعافى حتى الآن. وأضاف وهو يشرح برنامجه المستقبلى ولعله يرمى إلى أن يعيد للكنيزية اعتبارها: سأضع رعاية الناس فى صميم كل ما أفعله ..سننقل السلطة من هنا إلى كل منطقة فى البلاد، وسنبنى فى سبيل ذلك اقتصادا جديدا وفقا لخطة عشرية، نعيد فيها وضع أساسيات الحياة تحت سيطرة عامة أقوى، لجعلها فى متناولكم من جديد ..لتخفيف أعباء تكاليف المعيشة وإنهاء ظاهرة التشرد الليلى ، وغيرها من الاجراءات .
كل ماسبق يندرج فيما بشر به جلبرث ومنشيكوف، أى إمكانية التعايش بين النظامين الاقتصاديين، وأن شرط النهوض والتقدم والتطور فى كليهما مرهون بدور لا مناص منه للدولة .
عدت لإعادة قراءة الكتاب فور استماعى لخطاب رئيس الوزراء البريطانى الجديد، ولكى أذكر رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولى وسط مشاغله الكثيرة ، أن تصريحه بأن الصين نهضت وتقدمت اقتصاديا لتخليها عن الاشتراكية، لم يكن صائبا. بل هى وصلت لتلك المكانة العالمية حين استفادت من مميزات النظام الرأسمالى جنبا إلى جنب مع التخطيط المركزى الذى تقوده الدولة، وحرى بالدولة المصرية الاستفادة من نجاحات هذا النموذج بدلا من التشكيك فى جدواه.

التعليقات متوقفه

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More

Privacy & Cookies Policy