دخان حرائق الغابات لا يهدد الرئتين فقط.. دراسة تكشف صلة مقلقة بين PM2.5 والصحة النفسية للأطفال
لم تعد مخاطر حرائق الغابات تقتصر على ألسنة اللهب التي تلتهم مساحات شاسعة من الأشجار والمناطق السكنية، إذ يخلف الدخان المتصاعد منها خطرًا أقل وضوحًا لكنه أكثر انتشارًا، يتمثل في كميات كبيرة من الجسيمات الدقيقة الملوثة للهواء، التي يمكن أن تصل إلى أعماق الجهاز التنفسي وتؤثر في القلب والأوعية الدموية.
لكن المخاوف قد تمتد إلى ما هو أبعد من ذلك؛ إذ تشير دراسة حديثة إلى وجود ارتباط بين التعرض المتكرر لمستويات مرتفعة من الجسيمات الدقيقة PM2.5 وبين زيادة بعض أعراض الاكتئاب والقلق والسلوكيات الانطوائية لدى الأطفال، ما يفتح الباب أمام تساؤلات جديدة بشأن التأثير المحتمل لتلوث الهواء على الصحة النفسية خلال مراحل النمو.
تُعرف الجسيمات الدقيقة PM2.5 بأنها جسيمات ملوثة لا يتجاوز قطرها 2.5 ميكرومتر، أي أنها أصغر بعشرات المرات تقريبًا من قطر شعرة الإنسان، وهو ما يسمح لها بالتغلغل إلى أعماق الجهاز التنفسي.
وقد ارتبط التعرض طويل المدى لهذه الجسيمات بعدد من المشكلات الصحية، خصوصًا أمراض الرئة والقلب والأوعية الدموية. وتشير أبحاث أخرى إلى أن تأثيرها المحتمل قد يتجاوز الجهاز التنفسي، مع وجود فرضيات علمية حول قدرتها على الوصول إلى الدماغ أو التأثير فيه، بما في ذلك احتمال عبور الحاجز الدموي الدماغي.
وتكتسب هذه المخاوف أهمية خاصة لدى الأطفال، لأن الدماغ والجهاز العصبي لا يزالان في مراحل النمو والتطور، ما يجعل فهم تأثيرات العوامل البيئية خلال هذه المرحلة مجالًا مهمًا للبحث العلمي.
واعتمد تحقيق بحثي حديث على بيانات نحو 10 آلاف طفل في مرحلة ما قبل المراهقة، من خلال مقارنة التقارير الصحية التي قدمها الآباء بشأن أطفالهم مع بيانات جودة الهواء في المناطق المحيطة بمنازلهم خلال عام 2016.
وأظهرت البيانات أن نحو 32% من الأطفال المشاركين تعرضوا ليوم واحد على الأقل لمستويات من PM2.5 تجاوزت المستوى الذي تعتبره وكالة حماية البيئة الأمريكية غير آمن.
ولم تكن مستويات التعرض متساوية بين جميع الأطفال؛ إذ سجل أحد المشاركين تعرضًا لما يصل إلى 173 يومًا تجاوزت خلالها مستويات الجسيمات الدقيقة الحد المشار إليه.
ووجد الباحثون ارتباطًا بين زيادة عدد الأيام التي يتعرض فيها الطفل لمستويات مرتفعة من PM2.5 وبين ارتفاع احتمالية ظهور بعض الأعراض المرتبطة بالاكتئاب والقلق والسلوكيات الانطوائية.
تزداد خطورة المسألة مع ارتفاع شدة وتكرار حرائق الغابات في بعض المناطق، إذ يمكن لاحتراق الغطاء النباتي أن يطلق كميات كبيرة من الجسيمات الدقيقة في الهواء خلال فترات زمنية قصيرة.
وقد ينتشر الدخان لمسافات واسعة بعيدًا عن موقع الحريق نفسه، ما يعني أن الأطفال والسكان في المناطق المحيطة قد يتعرضون لمستويات مرتفعة من تلوث الهواء دون أن يكونوا بالقرب من النيران مباشرة.
وهنا تبرز أهمية مراقبة جودة الهواء خلال موجات التلوث الشديدة أو عند انتشار دخان حرائق الغابات، وتقليل التعرض للهواء الملوث قدر الإمكان، خصوصًا لدى الأطفال الذين يعانون بالفعل من مشكلات تنفسية أو حالات صحية أخرى.
رغم النتائج اللافتة، يؤكد الباحثون ضرورة عدم تفسير العلاقة باعتبارها إثباتًا مباشرًا للسبب والنتيجة.
فليس معنى الدراسة أن كل طفل يتعرض لدخان حرائق الغابات أو لمستويات مرتفعة من PM2.5 سيصاب بالاكتئاب أو القلق، كما أن تلوث الهواء ليس العامل الوحيد الذي يحدد الصحة النفسية للأطفال.
وتتداخل عوامل عديدة في الصحة النفسية، من بينها البيئة الأسرية والاجتماعية، والضغوط الدراسية، وجودة النوم، والتجارب الشخصية، والعوامل الوراثية وغيرها من المؤثرات.
كما أن وجود ارتباط إحصائي بين التعرض لتلوث الهواء وظهور بعض الأعراض النفسية لا يثبت بمفرده وجود علاقة سببية مباشرة، وهو ما يجعل إجراء المزيد من الدراسات ضروريًا لفهم الآليات المحتملة وراء هذا الارتباط.
وتسلط النتائج الضوء على جانب جديد من مخاطر تلوث الهواء، إذ تشير إلى أن تداعيات التعرض للجسيمات الدقيقة قد تكون أوسع من الأضرار التقليدية التي تصيب الرئتين والقلب والأوعية الدموية.
ومع استمرار العلماء في دراسة العلاقة بين جودة الهواء والصحة النفسية، تظل الحد من تعرض الأطفال لتلوث الهواء ومراقبة مستويات PM2.5 من الإجراءات المهمة لحماية صحتهم، خاصة في فترات الحرائق وموجات التلوث.
وفي النهاية، لا يتعلق الهواء النظيف بحماية الجهاز التنفسي والقلب فقط، بل قد تكون له أهمية أوسع في حماية الدماغ والصحة النفسية للأطفال خلال واحدة من أكثر مراحل الحياة حساسية للنمو والتطور.

التعليقات متوقفه