مفاوضات فنزويلا على المحك.. هل تنجح واشنطن في كسر دائرة “الحوار بلا نتيجة”؟

4

بعد أكثر من عقد من جولات التفاوض التي لم تُفضِ إلى تسوية سياسية حقيقية، تعود الحكومة والمعارضة في فنزويلا إلى طاولة الحوار وسط آمال محدودة وشكوك واسعة بشأن قدرة المفاوضات الجديدة على فتح الطريق أمام انتقال ديمقراطي فعلي.

وجاءت الجولة الأخيرة بدعم مباشر من الولايات المتحدة، وبعد التطورات التي أطاحت بالرئيس السابق نيكولاس مادورو في يناير 2026، لتصبح واشنطن صاحبة نفوذ غير مسبوق على المشهد السياسي الفنزويلي.

لكن، وفق تحليل نشره تشاتام هاوس للباحث كريستوفر ساباتيني، فإن النفوذ الأمريكي وحده لا يكفي، ما لم يتحول إلى ضغوط واضحة وخطوات عملية وجداول زمنية ملزمة.

بدأت الاتصالات في الأول من أغسطس، قبل أن تتجدد في السادس من الشهر نفسه، بين حكومة الرئيسة المؤقتة ديلسي رودريجيز وممثلين عن المعارضة بقيادة دينورا فيجيرا، في مسار ترعاه واشنطن بهدف إعادة بناء المؤسسات وتهيئة الظروف لانتقال سياسي وانتخابات جديدة.

لكن البداية لم تكن على مستوى التوقعات. ففي اللقاء الأول، لم يجلس الطرفان وجهًا لوجه، وإنما جرت الاتصالات عبر الهاتف، بينما جاءت البيانات الصادرة عقب المحادثات محملة بعبارات عامة حول القضايا المطروحة، دون خارطة طريق واضحة أو جدول زمني محدد للإصلاحات الانتخابية.

أما في السادس من أغسطس، فقد انتقلت المفاوضات إلى كاراكاس، حيث التقت فيجيرا بديلسي رودريجيز مباشرة. ورغم أن اللقاء مثل خطوة رمزية مهمة، فإن نتائجه الأولية ظلت محدودة، إذ انحصرت في تحديد ملفات عامة للنقاش، بينها مساعدة المتضررين من الزلزال، وتعزيز الديمقراطية، والحقوق والضمانات السياسية.

وقد أكدت تقارير لاحقة أن المحادثات أحرزت لاحقًا تقدمًا بشأن إصلاح القضاء، بما في ذلك الاتفاق على تجديد تركيبة المحكمة العليا.

ومن أكثر الملفات حساسية في المفاوضات قضية السجناء السياسيين، إذ يرى ساباتيني أن الإفراج عن المحتجزين كان يمكن أن يمثل خطوة أولى بسيطة، لكنها ذات تأثير قوي في بناء الثقة بين الطرفين.

غير أن هذا الملف لم يشهد في البداية تقدمًا حاسمًا، وهو ما يعكس حجم الفجوة بين الشعارات العامة التي تُطرح على طاولة الحوار وبين الإجراءات العملية القادرة على إقناع الشارع الفنزويلي بأن هذه الجولة تختلف بالفعل عن سابقاتها.

وتزداد أهمية هذا الملف في ظل تاريخ طويل من المفاوضات التي اتخذت، بحسب منتقدي الحكومة، شكلًا من أشكال إدارة الأزمة أكثر من كونها طريقًا واضحًا لإنهائها.

ومن أبرز نقاط الضعف التي تحيط بالمفاوضات غياب أبرز رموز المعارضة الفنزويلية، وفي مقدمتهم ماريا كورينا ماتشادو وإدموندو جونزاليس أوروتيا، اللذان لم يشاركا في الجولة التي اختارت واشنطن ممثلي المعارضة فيها.

في المقابل، اختارت الولايات المتحدة دينورا فيجيرا لقيادة الوفد المعارض، وهي الرئيسة السابقة للجمعية الوطنية المنتخبة عام 2015، ما أثار تساؤلات حول مدى تمثيل هذه المفاوضات لكل أطياف المعارضة.

وأعلنت ماتشادو وجونزاليس أنهما سيقيمان الحوار من خلال نتائجه، ولا سيما ما يتعلق بالانتخابات وحقوق الإنسان.

ويرى ساباتيني أن استبعاد ماتشادو قد تكون له مبررات تفاوضية، باعتبار أنها قد تكون طرفًا مباشرًا في أي انتخابات مستقبلية، كما أن تاريخها في التعامل مع جولات الحوار السابقة اتسم بالحذر الشديد.

لكن هذا الاستبعاد يظل في الوقت نفسه نقطة ضعف سياسية، لأن أي تسوية انتخابية تحتاج إلى قدر واسع من الشرعية الشعبية حتى تكون قابلة للحياة.

وتستند حالة التشكيك الحالية إلى سجل طويل من محاولات التفاوض التي لم تنجح في إنهاء الأزمة السياسية. فقد شهدت فنزويلا جولات عديدة من الحوار بين الحكومة والمعارضة، لكنها انتهت مرارًا إلى نتائج محدودة أو إلى طريق مسدود.

وتبرز تجربة انتخابات 2024 باعتبارها واحدة من أكثر المحطات إثارة للجدل؛ إذ أظهرت المعارضة، بحسب مراقبين دوليين ومحليين، تقدمًا كبيرًا في التصويت، بينما أعلنت السلطات الانتخابية فوز مادورو دون نشر أدلة اعتُبرت كافية لإثبات النتيجة. وكان جونزاليس أوروتيا قد خاض الانتخابات بدعم من حركة المعارضة التي قادتها ماتشادو.

ومن هنا، لا تنظر قطاعات واسعة من المعارضة إلى أي حوار جديد باعتباره غاية في حد ذاته، وإنما باعتباره اختبارًا لما إذا كان قادرًا على ترجمة الإرادة الانتخابية إلى مؤسسات وقواعد سياسية جديدة.

وفي ظل تعرض البلاد لزلزال مدمر، كان ملف مساعدة المتضررين حاضرًا على طاولة المفاوضات، ما منح الحوار فرصة لبدء بناء قدر من الثقة عبر قضية إنسانية تتجاوز الاستقطاب السياسي.

لكن ساباتيني يرى أن الكارثة كان يمكن أن تتحول إلى لحظة تضامن وطني تفتح الباب أمام توافق سياسي أوسع، بدلًا من أن تظل المفاوضات محصورة في عبارات عامة ومناقشات مفتوحة النهاية.

وفي الجولة الأولى، أُدرجت بالفعل مساعدة ضحايا الزلزال ضمن أجندة العمل، قبل أن تتطور المحادثات لاحقًا إلى ترتيبات تتعلق بالإصلاح المؤسسي والقضائي.

يبقى العامل الأكثر تأثيرًا في مستقبل هذه المفاوضات هو الموقف الأمريكي. فواشنطن تمتلك اليوم أدوات ضغط اقتصادية وسياسية أكبر بكثير من تلك التي امتلكها الوسطاء في جولات سابقة، وهو ما يمنحها قدرة استثنائية على دفع الحكومة والمعارضة نحو تقديم تنازلات.

ويشير تحليل ساباتيني إلى أن نجاح المفاوضات يتطلب الانتقال من اللغة الدبلوماسية العامة إلى خطوات قابلة للقياس، تتضمن إصلاح المؤسسات الانتخابية والقضائية، وضمان الحقوق السياسية، وتحديد جدول زمني واضح للانتخابات، مع وجود آليات لمراقبة تنفيذ التعهدات.

وهو توجه يتفق أيضًا مع توصيات سابقة لـ”تشاتام هاوس” دعت إلى إنشاء عملية تفاوض ومراقبة رسمية للإصلاحات المرتبطة بسيادة القانون، بمشاركة الولايات المتحدة والمجتمع الدولي والأطراف الفنزويلية.

رغم التطورات التي شهدتها المفاوضات حتى الآن، فإن الطريق أمام تسوية سياسية شاملة لا يزال طويلًا. فالثقة بين الطرفين ضعيفة، والمعارضة منقسمة بشأن المسار، بينما تظل قضايا الانتخابات والضمانات السياسية والإفراج عن السجناء من أكثر الملفات تعقيدًا.

ومع ذلك، تختلف الجولة الحالية عن سابقاتها في نقطة جوهرية: الولايات المتحدة موجودة بقوة داخل المشهد، وتمتلك نفوذًا مباشرًا على الحكومة المؤقتة.

ولهذا، فإن مستقبل الحوار الفنزويلي لن يتوقف فقط على استعداد ديلسي رودريجيز والمعارضة لتقديم التنازلات، بل على استعداد واشنطن لتحويل نفوذها إلى ضغط حقيقي من أجل إصلاحات محددة، لا الاكتفاء بإبقاء قنوات الحوار مفتوحة.

فإذا خرجت المفاوضات من دائرة البيانات الفضفاضة إلى انتخابات حرة، ومؤسسات مستقلة، وضمانات سياسية واضحة، فقد تكون فنزويلا أمام فرصة تاريخية لطي صفحة طويلة من الصراع.

أما إذا عادت المفاوضات إلى لغة التأجيل والوعود غير الملزمة، فقد تنضم هذه الجولة بدورها إلى سجل طويل من الحوارات التي بدأت بآمال كبيرة وانتهت بلا تغيير حقيقي.

التعليقات متوقفه

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More

Privacy & Cookies Policy