القصرة في قلب العاصفة.. كيف تحولت قرى نابلس إلى هدف للتهجير الاستيطاني في الضفة الغربية؟

3

عادت قرية القصرة الفلسطينية في محافظة نابلس إلى واجهة الأحداث، بعد تصاعد الانتقادات الدولية إزاء ما تتعرض له عائلات فلسطينية من ضغوط واعتداءات على خلفية هجمات مستوطنين، كان من بينها استهداف أسرة تحمل الجنسية الأمريكية، في واقعة دفعت واشنطن إلى التعبير عن استنكارها، بينما أصدر جيش الاحتلال الإسرائيلي بيانات حول تدخله في الأحداث ومحاسبة بعض المخالفين.

وفي ظل تصاعد المخاوف من اتساع نطاق عمليات التهجير في الضفة الغربية، دعت حركة حماس أهالي الضفة إلى مساندة سكان القصرة، محذرة من أن ما يحدث يأتي ضمن سياق أوسع من الضغوط التي تتعرض لها قرى فلسطينية، ولا سيما في محيط نابلس، في محاولة لفرض واقع سكاني وجغرافي جديد على الأرض.

وتفتح قضية القصرة الباب أمام ملف أكثر اتساعًا يتعلق بآليات التهجير التي تتعرض لها تجمعات فلسطينية في الضفة الغربية، ودور الاستيطان والاعتداءات المتكررة في دفع السكان إلى ترك أراضيهم ومصادر رزقهم.

وفق ما أوردته تقارير أممية ومؤسسات حقوقية، فإن التهجير القسري في الضفة الغربية يرتبط بمجموعة من العوامل السياسية والجغرافية والأمنية، أبرزها توسيع السيطرة الإسرائيلية على مساحات واسعة من الأراضي الفلسطينية، بما يحد من إمكانية إقامة دولة فلسطينية متصلة جغرافيًا.

ويؤدي إخلاء بعض التجمعات إلى تغيير طبيعة المناطق المستهدفة، وقطع التواصل الجغرافي بين المدن والقرى الفلسطينية، فضلًا عن إحكام السيطرة على مناطق تتمتع بأهمية زراعية أو استراتيجية.

كما ترتبط عمليات الإخلاء، بحسب منظمات حقوقية، بسياسات هدم المنازل وفرض قيود على البناء، خصوصًا في المنطقة “ج” من الضفة الغربية، التي تخضع للسيطرة الإسرائيلية، إضافة إلى نزاعات الملكية وقرارات المحاكم والإجراءات الإدارية التي تؤثر في قدرة الفلسطينيين على البقاء في بعض المناطق.

لا تقتصر الضغوط التي تواجهها بعض القرى الفلسطينية على العمليات العسكرية المباشرة، إذ تلعب اعتداءات المستوطنين دورًا بارزًا في زيادة المخاطر التي تحيط بالسكان.

وتشمل هذه الاعتداءات، وفق تقارير حقوقية، مهاجمة القرى والمنازل، وإتلاف الممتلكات والمزروعات، وحرق أشجار الزيتون، والاعتداء على المواشي ومصادر الرزق، وهي ممارسات يمكن أن تجعل استمرار الحياة في بعض التجمعات أكثر صعوبة، خصوصًا بالنسبة للعائلات التي تعتمد على الزراعة والرعي.

كما تشير تقارير حقوقية إلى أن بعض الاعتداءات تتبعها تدخلات عسكرية أو إجراءات أمنية تفرض قيودًا على حركة الفلسطينيين ودخولهم إلى أراضيهم، ما يزيد من الضغط على السكان ويؤثر في قدرتهم على الوصول إلى مصادر المياه والأراضي الزراعية ومراعيهم.

وتزايدت حدة المخاوف بشأن النزوح في شمال الضفة الغربية منذ اندلاع الحرب في قطاع غزة، مع تنفيذ الجيش الإسرائيلي عمليات عسكرية واسعة في عدد من المخيمات والمدن، ولا سيما في طولكرم ومخيم نور شمس وجنين.

وأدت هذه العمليات إلى نزوح أعداد كبيرة من السكان، وسط تحذيرات حقوقية من أن استمرار العمليات العسكرية والقيود المفروضة على العودة قد يحول النزوح المؤقت إلى واقع أكثر رسوخًا.

وفي الوقت نفسه، تتعرض تجمعات ريفية في مناطق أخرى لضغوط مرتبطة بالاستيطان واعتداءات المستوطنين، ما يجعل قضية النزوح في الضفة الغربية متعددة الأبعاد وليست مرتبطة بنمط واحد من الإجراءات.

تتمتع نابلس بموقع جغرافي واقتصادي بالغ الأهمية في الضفة الغربية، إذ تحيط بها مساحات زراعية واسعة وتربط طرقها بين مناطق عدة في شمال الضفة ووسطها، ما يمنح السيطرة على ريفها أهمية استراتيجية بالنسبة للأطراف المتصارعة.

كما تضم المنطقة مواقع ذات أهمية دينية وتاريخية، بينها موقع شكيم القديم وقبر يوسف، وهو ما جعل محيط نابلس على مدى سنوات نقطة احتكاك متكررة بين الفلسطينيين والمستوطنين.

وتنتشر البؤر الاستيطانية على عدد من التلال المحيطة بالمدينة، فيما تتعرض القرى الفلسطينية القريبة منها لاعتداءات متكررة، بحسب تقارير حقوقية، في مشهد يزيد من حدة التوتر ويعمق مخاوف السكان بشأن مستقبل أراضيهم.

ولا تقتصر أهمية قرى نابلس على موقعها الجغرافي، بل تمتد إلى دورها الزراعي، إذ تعد المنطقة من أهم المناطق المنتجة للمحاصيل الزراعية في الضفة الغربية.

ولهذا فإن السيطرة على الأراضي الزراعية أو دفع سكانها إلى مغادرتها لا تعني فقط تغيير الخريطة السكانية، وإنما تؤثر كذلك في الأمن الغذائي والاقتصاد المحلي الفلسطيني.

وتكتسب أشجار الزيتون تحديدًا رمزية اقتصادية واجتماعية كبيرة، ما يجعل الاعتداء عليها أو قطعها خسارة تتجاوز قيمة المحصول إلى تهديد مصدر دخل العائلات وارتباطها بأراضيها.

وتختصر التطورات الأخيرة في القصرة جانبًا من المشهد الأكثر تعقيدًا في الضفة الغربية: قرى تقع بين توسع استيطاني، واعتداءات متكررة، وإجراءات عسكرية وإدارية، في وقت تتزايد فيه المخاوف من أن يؤدي تراكم هذه الضغوط إلى تغيير دائم في واقع السكان والأرض.

التعليقات متوقفه

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More

Privacy & Cookies Policy