محمود حامد يكتب: وحدة التجمع وسلامته أمانة في أعناقنا
بمناسبة الإعلان عن انعقاد المؤتمر العام التاسع لحزب التجمع في الثامن والعشرين من نوفمبر المقبل، وبالتزامن مع احتفال حزبنا بيوبيله الذهبي، أعبّر عن اعتزازي العميق بانتمائي إلى هذا الحزب العريق منذ تأسيسه، والذي بنيناه معًا على مدى عقود، مؤمنين بأن العمل الوطني لا ينفصل عن الدفاع عن الحق والعدل والمساواة والكرامة الإنسانية.
لقد كان حزب التجمع، منذ تأسيسه، أكثر من مجرد إطار سياسي أو تنظيمي؛ فقد كان بيتًا لكل الوطنيين، ومنبرًا أصيلًا لليسار المصري، وصوتًا للفئات الكادحة والمهمشة، وحاملًا لتاريخ وطني مشرف في الدفاع عن استقلال القرار الوطني، وقضايا الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية.
ومنذ أن أسسه الزعيم الوطني الكبير خالد محيي الدين، مع رفاقه المؤسسين الأوائل، قدم التجمع نموذجًا للعمل السياسي القائم على الحوار الراقى والاختلاف المسؤول، واستيعاب تنوع الاجتهادات والمدارس الفكرية، مع الحفاظ على وحدة الصف والانحياز إلى الوطن وقضاياه.
وقد شرفت بأن أكون من المشاركين في تأسيس هذا الحزب، وأن أصل بدعم زملائي إلى موقع الأمين العام المساعد. وخلال هذه الرحلة الطويلة، خضنا معًا معارك وطنية عديدة دفاعًا عن الديمقراطية والعدالة الاجتماعية واستقلال القرار الوطني، وانحيازًا إلى العمال والفلاحين والكادحين. اختلفنا أحيانًا في الرأي والاجتهاد، نعم، لكننا لم نختلف يومًا على الوطن، ولم نسمح للخلاف السياسي أو التنظيمي بأن يتحول إلى خصومة أو انقسام.
وكان زعيمنا خالد محيي الدين يؤمن بأن قوة التجمع تكمن في وحدته، وفي قدرته على استيعاب الرأي والرأي الآخر تحت سقف الانتماء الوطني الصادق. وسار على هذا النهج كثيرون من أساتذتنا وقياداتنا، ومن بينهم د. إسماعيل صبري عبدالله، ود. رفعت السعيد، ود. فؤاد مرسي، ومحمد سيد أحمد، ولطفي الخولي، وغيرهم من القامات التي أسهمت في بناء تجربة التجمع وترسيخ حضوره في الحياة السياسية المصرية، وتطول القائمة بما يصعب معه حصرها كاملة.
ومن هنا، فإن المؤتمر العام التاسع يأتي في لحظة مهمة من مسيرة الحزب، ولا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد استحقاق تنظيمي وانتخابي، وإنما باعتباره فرصة لمراجعة التجربة، وتجديد الدماء، وفتح آفاق جديدة للعمل الحزبي، وتعزيز حضور الشباب والمرأة، والاستفادة من طاقات جميع أعضاء الحزب وخبراتهم.
والمسؤولية الملقاة على عاتقنا جميعًا لا تقتصر على اختيار قيادة جديدة، وإنما تمتد إلى الحفاظ على الحزب الذي أسسناه وبنيناه معًا، وصون وحدته وسلامته، واحترام مؤسساته وقواعده، وإعلاء مصلحة الحزب فوق أي اعتبارات شخصية أو خلافات عابرة.
فالاختلاف في الرأي أمر طبيعي وصحي داخل أي حزب حي، بل إنه أحد عناصر قوته، شريطة أن يظل في إطار الحوار المؤسسي، وأن يكون هدفه تطوير الحزب وتقوية صفوفه، لا إضعافه أو تمزيقه.
وما نشهده من توترات وسجالات متداولة على بعض صفحات التواصل الاجتماعي يستحق منا جميعًا وقفة هادئة ومسؤولة. فالحزب الذي عُرف تاريخيًا بالانضباط والحوار السياسي، لا يليق بالبعض أن يجعلوا من الخلافات عناوين مثيرة أو سجالات علنية تزيد الاحتقان، ولا تخدم الفكرة ولا التنظيم.
ونحن مقبلون على المؤتمر، علينا أن نتحلى جميعًا بالمسؤولية والموضوعية، وأن نجعل من العملية الانتخابية وسيلة للتجديد والتكامل، لا سببًا للانقسام والخصومة. فالانتخابات تنتهي بإعلان النتائج، لكن الحزب يبقى، وتبقى علاقات الرفاق، وتبقى المسؤولية المشتركة في الحفاظ على تماسكه وقدرته على أداء دوره الوطني والسياسي.
والقيادة الجديدة، أياً كانت، ستحتاج إلى دعم جميع أبناء الحزب، وإلى تعاون الأجيال المختلفة، والاستفادة من خبرات القيادات السابقة والشباب في الوقت نفسه. فالتجمع لا يملك رفاهية إهدار طاقاته في خلافات داخلية، بينما دوره الحقيقي هو أن يكون حاضرًا في قضايا الوطن وهموم الشعب، وأن يستعيد قدرته على التواصل مع العمال والفلاحين والشباب والمثقفين وسائر الفئات التي كان التجمع تاريخيًا معبرًا عن تطلعاتها.
لقد حافظ حزب التجمع، عبر تاريخه الطويل، على راياته مرفوعة، وعلينا اليوم أن نواصل حمل هذه الرايات، وأن نمنح حزبنا ما يستحقه من إخلاص وعمل وتضحية، حتى يظل حاضرًا في الحياة السياسية المصرية، ومدافعًا عن الحرية والاشتراكية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية.
وأدعو رفاقي وأصدقائي أن نترك وراءنا أولئك الذين يستهدفون تقويض الحزب ووحدته، وأن ننظر إلى المستقبل ونستحضر جميعًا روح التأسيس، وأن نجدد العهد على أن يبقى التجمع بيتًا لكل أبنائه، ومنبرًا للدفاع عن الوطن والشعب. ولنتذكر دائمًا أن المعركة الحقيقية للحزب ليست داخل أسواره، وإنما من أجل المبادئ والقضايا التي تأسس من أجلها، ومن أجل دولة المواطنة والديمقراطية والعدالة الاجتماعية.
تحية إلى روح الزعيم الخالد خالد محيي الدين، وإلى أرواح المؤسسين الأوائل لأول حزب علني لليسار المصري، وكل التوفيق لمؤتمرنا العام التاسع، وللقيادة التي ستنال ثقة أعضاء الحزب.
وكل التحية والتقدير للقيادات الحالية على دورها في الحفاظ على الحزب وصون استمراره، ولنبقَ جميعًا أوفياء لتاريخ التجمع، مدركين أن وحدته وقوته وسلامته أمانة في أعناقنا جميعًا.
حفظ الله التجمع موحدًا قويًا، كما أردناه يومًا، وكما يريده له كل المخلصين.
*الأمين العام المساعد للحزب سابقًا

التعليقات متوقفه