الأسبوع الأول من حياة الطفل قد يرسم ملامح الحساسية.. دراسة تكشف دور المناعة وميكروبات الأمعاء
قد تحمل الأيام الأولى بعد الولادة أسرارًا أكثر مما كان يعتقد العلماء حول الطريقة التي يتطور بها الجهاز المناعي للطفل، إذ كشفت دراسة جديدة أن الاستجابة المناعية خلال الأسبوع الأول من الحياة قد ترتبط باحتمالات الإصابة بالإكزيما أو حساسية الطعام خلال السنة الأولى.
وتفتح النتائج الباب أمام فهم أعمق لما يحدث داخل جسم حديث الولادة في مرحلة شديدة الحساسية، حيث يبدأ الجهاز المناعي في التفاعل مع البيئة المحيطة، بالتزامن مع تشكل مجتمع الميكروبات داخل الأمعاء وتغيره سريعًا مع مرور الأيام.
وبحسب تقرير نشره موقع New Scientist، تابع الباحثون قرابة 600 رضيع في السويد، وحللوا عينات من الدم والبراز خلال السنة الأولى من حياتهم، بهدف البحث عن العلاقة بين تطور الجهاز المناعي وتكوين ميكروبات الأمعاء وظهور الأمراض التحسسية.
رصد الباحثون لدى نحو نصف الأطفال المشاركين نمطًا من الاستجابة المناعية القوية خلال الأسبوع الأول بعد الولادة، وأطلقوا عليه اسم “استجابة التأسيس”، وتميز بارتفاع مستويات عدد من الجزيئات المرتبطة بالالتهاب، من بينها الإنترفيرون-جاما، الذي يؤدي دورًا في تنشيط خلايا الجهاز المناعي.
وعند مقارنة الأطفال الذين ظهرت لديهم هذه الاستجابة القوية بآخرين كانت استجابتهم المناعية أقل قوة خلال الفترة نفسها، ظهرت فروق واضحة في معدلات الإصابة بالإكزيما أو حساسية الطعام قبل بلوغ عامهم الأول.
وأظهرت النتائج أن نحو 39% من الأطفال الذين ظهرت لديهم الاستجابة المناعية القوية أصيبوا بالإكزيما أو حساسية الطعام خلال السنة الأولى، مقابل نحو 12% فقط بين الأطفال الذين كانت استجابتهم المناعية أضعف.
وبحسابات الدراسة، ارتبطت الاستجابة المناعية القوية بخطر أعلى بنحو 3 مرات للإصابة بهذه الحالات خلال السنة الأولى من العمر.
لكن هذه النتيجة لا تعني أن الاستجابة المناعية المبكرة هي التي تسبب الحساسية بشكل مباشر؛ فالباحثون يؤكدون أن ما توصلوا إليه يمثل ارتباطًا إحصائيًا، وليس إثباتًا لعلاقة سببية.
لم تقتصر الاختلافات التي رصدتها الدراسة على الجهاز المناعي، إذ ظهرت أيضًا فروق في تركيبة الميكروبيوم المعوي بين مجموعات الأطفال.
وكان الأطفال الذين ظهرت لديهم الاستجابة المناعية القوية يمتلكون مستويات أعلى من بعض أنواع البكتيريا، ومن بينها Bacteroides، وهو ما دفع الباحثين إلى الاهتمام بالدور المحتمل للميكروبات الموجودة في الأمعاء خلال المرحلة المبكرة من الحياة.
وتتميز الأيام الأولى بعد الولادة بسرعة تطور أمعاء الطفل والجهاز المناعي في الوقت نفسه، ما يجعل هذه الفترة بيئة مناسبة لدراسة كيفية تشكل العلاقة بين الاثنين.
وتشير النتائج إلى احتمال أن تكون طريقة تغذية الطفل وتركيبة الميكروبيوم من العوامل التي تؤثر في مسار الاستجابة المناعية المبكرة، إلا أن إثبات هذا الدور يحتاج إلى دراسات إضافية، ولا تسمح النتائج الحالية باعتبار أي عامل منها سببًا مباشرًا للحساسية.
أظهرت البيانات أيضًا اختلافًا في تركيبة البكتيريا المعوية لدى الأطفال الذين يرضعون طبيعيًا، إذ ارتبطت الرضاعة بارتفاع مستويات بعض أنواع Bifidobacteria.
وترتبط هذه البكتيريا بعملية استقلاب السكريات الموجودة في حليب الأم، كما تنتج مركبات يمكن أن يكون لها دور في تنظيم الالتهاب، وهو ما يضيف عنصرًا آخر إلى الصورة المعقدة للعلاقة بين التغذية والميكروبيوم والجهاز المناعي في بداية الحياة.
ومع ذلك، لا تعني هذه النتائج أن الرضاعة الطبيعية تمنع الإصابة بالحساسية بصورة مؤكدة، كما لا تثبت أن تغيير طريقة تغذية الطفل يمكن أن يمنع الإكزيما أو حساسية الطعام.
وأكد الخبراء الذين تحدث إليهم موقع New Scientist أن النتائج المبكرة لا تبرر مطالبة الآباء بتغيير طريقة تغذية أطفالهم استنادًا إلى هذه الدراسة وحدها، خاصة أن البحث لم يثبت علاقة سببية مباشرة بين الاستجابة المناعية في الأيام الأولى وظهور الحساسية لاحقًا.
تكمن أهمية هذه الفترة في أن جسم الطفل ينتقل خلالها إلى بيئة جديدة تمامًا بعد الولادة، بينما يبدأ جهازه المناعي وأمعاؤه في التكيف مع الميكروبات والغذاء والعوامل المحيطة.
ويشير مفهوم «برمجة الجهاز المناعي» إلى أن التفاعلات التي تحدث في بداية الحياة قد تكون ذات أهمية في تحديد كيفية تطور الجهاز المناعي لاحقًا، وهو ما يجعل الأسابيع الأولى محورًا مهمًا للبحث العلمي.
وتدعم دراسات أخرى منشورة في عام 2026 هذا الاهتمام؛ فقد وجدت دراسة في Nature Communications أن تطور الفطريات والبكتيريا داخل أمعاء الأطفال يرتبط بنضج الجهاز المناعي، كما ارتبطت بعض أنماط الميكروبيوم لاحقًا بالإكزيما وحساسية الطعام.
كما أشارت دراسة أخرى نشرت في Nature إلى أن ميكروبيوم الأم يمكن أن يسهم في تشكيل ميكروبيوم الطفل، وأن مشاركة بعض السلالات البكتيرية بين الأم والرضيع تتغير بحسب الوقت الذي يمر بعد الولادة، مع وجود ارتباط بين ميكروبيوم الأم وإصابة الطفل بالإكزيما.
رغم أهمية النتائج، لا توجد في الوقت الحالي توصية طبية جديدة تدعو الآباء إلى محاولة تغيير الاستجابة المناعية للطفل خلال الأسبوع الأول بهدف الوقاية من الإكزيما أو حساسية الطعام.
ولا تزال الدراسة السويدية بحاجة إلى متابعة الأطفال لفترات أطول، إلى جانب إجراء أبحاث إضافية، لمعرفة ما إذا كانت الاختلافات المناعية التي ظهرت في بداية الحياة تستمر في التأثير على الصحة خلال السنوات التالية.
كما أن الحساسية والإكزيما لا ترتبطان بعامل واحد؛ فظهورهما قد يتأثر بتداخل مجموعة من العوامل، تشمل الجينات، وحاجز الجلد، والجهاز المناعي، والميكروبيوم، والعوامل البيئية والغذائية.
ومن ثم، لا تقدم الدراسة وصفة جاهزة لمنع الحساسية، وإنما تضيف دليلًا جديدًا إلى فهم العلماء للمرحلة المبكرة من حياة الطفل، وتلفت الانتباه إلى أن الأيام الأولى بعد الولادة قد تكون فترة مهمة في تشكيل العلاقة بين الجهاز المناعي وميكروبات الأمعاء.
وقد تساعد هذه النتائج مستقبلًا في تحديد آليات جديدة لفهم الأمراض التحسسية، وربما تطوير وسائل للوقاية منها أو علاجها، لكن الوصول إلى هذه التطبيقات يحتاج إلى مزيد من الدراسات التي تثبت العلاقة بين العلامات المناعية المبكرة والنتائج الصحية على المدى الطويل.

التعليقات متوقفه