ضد التيار ..أمينة النقاش تكتب :موسم إسداء النصح للأحزاب

بضعة أسابيع سوف تنقضى، ليبدأ حزب التجمع أعمال مؤتمره العام التاسع، بعد أن أنهى بكفاءة تنظيمية وسياسية عالية كافة الإجراءات اللائحية التى يتطلبها الإنعقاد الصحيح لأعماله.

أنجز الحزب تلك الإجراءات بروح تجمعية وثابة، تمكنت بوحدته ووعيه واقتدار قيادته، بالتصدى لكل العراقيل والعقبات التى ألقيت فى طريقه عن عمد أو جهل أو عن الاثنين معًا، لمنعه من الوصول لتلك المرحلة، التى تشكل نقلة نوعية فى تاريخه، مكنته من أن ينقى جداول عضويته، وأن يحصى بشكل أكثر دقة، حجم عضويته الحقيقية، بعيدًا عن حالة العضوية الورقية التى كانت فيما مضى تسعى إلى مجرد تسديد الخانات، بهدف الاستخدام فى التنافسات على المواقع الحزبية.

يعقد التجمع مؤتمره العام التاسع، تزامنًا مع احتفاله بعيد ميلاده الخمسين، ومن بين مظاهر هذا الاحتفال أن المؤتمر سوف يقدم للحياة الحزبية والسياسية، جيلًا جديدًا من الكفاءات الشبابية من الجنسين، من مختلف المحافظات، وفى مختلف المواقع الحزبية، بعدما بات من غير الممكن فى عالم اليوم، الفصل بين الثورة التكنولوجية المتسارعة، وبين الأنشطة الحياتية سواء كانت فى مجالات العمل السياسى أو العام وحتى المهنى، وهو عالم يضع الشباب المصرى كما فى كل أنحاء العالم، بصمته عليه ويرسم خطواته نحو المستقبل.

سوف يحتفل التجمع بمناسبة تأسيسه، وهى نفس المناسبة التى تشكل مرور خمسين عامًا على عودة التعددية الحزبية للنظام السياسى المصرى، بعد نحو عشرين عامًا من إلغائها، وسيادة شكل نظام الحزب الواحد، الذى كان يمثله تنظيم الاتحاد الإشتراكى.

كنت أظن أن مرور خمسين عامًا على عودة النظام التعددى الحزبى سوف يحظى باهتمام الهئيات الرسمية وغير الرسمية، وأجهزتها الإعلامية المقروءة والمرئية باعتبارها الأكثر تأثيرًا فى الرأى العام، حتى توضع دعوة الرئيس السيسى الأخيرة، إلى تنشيط الحياة الحزبية، وتأهيل الكوادر السياسية الشبابية موضع التنفيذ. والسؤال الذى يجرى تجاهله من يا ترى غير الأحزاب يمكنه إدراك ذلك التأهيل وتنفيذه؟ ألم تكن منظمة، الشباب، الذراع الشبابى للاتحاد الإشتراكى، هى الجامعة التى تدربت وتعلمت داخلها معظم الكواد السياسية والتنفيذية العاملة فى المجال العام فى البلاد، طوال العقود الخمسة الماضية؟.

ظنى خاب كثيرًا، كما خاب قبلى سعى العشاق فى مسرحية شكسبير الشهيرة، التى سخر فيها من الرطانة الفكرية الشكلية والأفكار السطحية التى تحفل بالتصنع والمراوغة والمداهنة والتكلف والتحذلق فى المواقف والسلوك، وفى العلاقات الإنسانية.

خمسون عامًا مرت على عودة التعددية الحزبية، الذى لا ينكر، سوى غافل أو مغرض، دورها فى توسيع نطاق الحريات العامة فى البلاد، والمساهمة فى الحفاظ على الوحدة الوطنية، سواء كان ذلك داخل المجالس التشريعية أو خارجها. لكن الحاصل أن من أصدر قرار عودتها، أرادها مؤسسات شكلية، يقدم بمجرد وجودها الشكلى، أدلة لمن يطلبها، إن مصر دولة ديمقراطية.

وبرغم أن الأحزاب تمكنت من كسر بعض القيود الشكلية التى ترافقت مع نشأتها، إلا أن تلك القيود شكلت منظومة من الخرافات والأوهام، التى ترسخت فى المناخ العام للتقليل من فكرة الحزبية، ومن مفهومها لتصبح تلك الأوهام سندًا لتهميش الحياة الحزبية، فالأحزاب تستدعى وقت الخطر، لكن يجرى تجاهلها والهجوم عليها والتشهير بها والتشكيك فى جدواها وإخافة المواطن العادى من الانضمام إلى عضويتها، أو المشاركة فى أنشطتها. وفى غمرة حملات الهجوم على الأحزاب، كان من الطبيعى أن يتم تجاهل صيحات التحذير التى انطلقت من بين صفوفها، من خطر الفراغ الناجم من وراء إضعاف الحياة الحزبية. إذ أن النتيجة المتوقعة هى ما جرى: فراغ سياسى سرعان ما ملأته تيارات العنف الدينى، التى توحدت خلف صعود جماعة الإخوان إلى سدة الحكم، فضلًا عن استلائها منذئذ وحتى اللحظة، على سلوكيات المجتمع وأفكاره وثقافته، وهى تظن أن مجرد إطلاق اللحى، هو تسليم لها باحتكار الدين وبتفسيره!

ما يدعو للدهشة والاستغراب أن بعضًا ممن يرتدون مسوح الحكمة لإطلاق الأحكام، وإسداء النصح لكيفية النهوض بالحياة الحزبية، يجهلون ما يحدث داخلها ولا يعرفون أسماءها، ويتباهون بأنهم مستقلون ويتفاخرون بعدم انتمائهم إلى أى حزب باعتبار ذلك فضيلة وخلقًا إيجابيًّا قويمًا، ثم يتساءلون أين هى جماهرية الأحزاب التى كثر عددها، وقل تواجدها فى الشارع، دون النظر فى أن وجود ظاهرة المسقلين فى بلد تعددى هو دليل دامغ على الخلل المصنوع فى الحياة الحزبية، الذى يكرس أوهاما عن إمكانية نظام ديمقراطى دون مؤسسات حزبية فاعلة، وبما يشجع ظاهرة الاستقلالية ويضخم وجودها .

الأحزاب لا تنهض بضم الشامى منها على المغربى، فى وحدة قسرية كانت ولا تزال أحد عوامل ضعفها وأحد مبررات إصطناعها. الدستور يحدد لنا بسهولة ويسر، نوعية الحياة الحزبية الفاعلة التى ينطوى عليها النظام السياسي التعددى، وفيه يتم الفصل بين السلطات، والتداول السلمى للسلطة بقوانين انتخابية عادلة، ومتكافئة، وفى مناخ يضمن حريات عامة للرأى والتعبير والنشاط الحزبى المسئول، وحريات اجتماعية يسود بها قدر من العدالة الاجتماعية، وهى أمور يجرى تجاهلها عمدًا لكى يتصدر المشهد المستقلون، وحكماء إسداء الرأى فيما لا

يعرفون!

التعليقات متوقفه

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More

Privacy & Cookies Policy