لقطـــــــــات: إتفاق الحكومة مع الصندوق ما هو البديل؟
تؤكد الحكومة أنه لا بديل لقرض صندوق النقد الدولى، مدعية أن البرنامج المتفق عليه مع الصندوق هو نفس برنامج عمل الحكومة الذى قدمته إلى مجلس النواب يوم 27 مارس الماضى، وأنه برنامج وطنى 100%. و دون الدخول فى تفاصيل “الإصلاح الإقتصادى” التى تضمنها البرنامج، نلاحظ أن التوجه العام هو الاعتماد على الخارج لإيجاد حلول لمشكلات الاقتصاد المصرى، بدلا من إصلاح حقيقى بالاعتماد على أنفسنا. فجوهر البرنامج هو ”…التواصل المستمر مع المؤسسات المالية الدولية و مؤسسات التقييم السيادى بشكل ممنهج لاستصدار شهادات الثقة فى مدى ملاءمة (!) السياسات المتبعة من قبل الحكومة لإدارة الشأن الاقتصادى…“ ( ص 39). و هنا تكمن المشكلة. فقد كان هذا بالتحديد هو نفس توجه نظام مبارك الذى قامت ثورة 25 يناير للقضاء عليه، و نفس السياسات التى أوصلتنا إلى ما نحن فيه الآن. فهل ذهبت أرواح شهداء الثورة بموجتيها سدى؟ وهل سالت دماؤهم هباء؟! نريد إجابة.
قلنا مرارا أننا بحاجة إلى التعامل مع كل شئون اقتصادنا معاملة اقتصاد الحرب، و ليس بمجرد إجراءات مبعثرة هنا و هناك. فلا نجد كلمة واحدة عن تبنى برنامج تقشف لضغط الإنفاق الحكومى البذخى، و لا عن فرض ضرائب تصاعدية أو ضرائب على الأرباح الرأسمالية فى البورصة، ولا عن محارب جادة للفساد. و لا يبدو أن الحكومة تدرك خطورة ترك الجنيه المصرى فريسة للتسيب فى مجال الاستيراد بدعوى اقتصاد السوق الحر، و لضغوط الحركة الطليقة لرؤوس الأموال دخولا و خروجا بدعوى تشجيع الاستثمار. و بدلا من ذلك، يتبنى برنامج الحكومة بالحرف “سياسة إقتراض يغلب عليها الحصول على القروض الميسرة و هو ما سيسهم فى تمويل فجوة الميزان التجارى والجارى بجانب إتاحة الفرص لإعادة تكوين إحتياطى مناسب من النقد الأجنبى لدى البنك المركزى.“ (ص46). و تتناسى الحكومة ما يمثله الإقتراض من تهديد لاستقلال القرار الوطنى و لمستقبل الأجيال القادمة.
من هذا المنطلق، لا أتفق مع الحكومة فى موضوع قرض الصندوق. و أرى أن لدينا بدائل أفضل، كما أوضحت ذلك فى عدة مقالات (عدد 10 أغسطس من “الأهالى”) و لقاءات تليفزيونية. لكن الحكومة تتجاهلها، و تهرول لتوقيع إتفاق مع الصندوق لن نجنى منه إلا الحُصْرُم. وأعتقد أنه لن ينجح فى علاج أوجاعنا االإقتصادية. و بالتالى نحن بحاجة إلى دواء ناجع يشفى إقتصادنا العليل. فالبرنامج المتفق عليه مع الصندوق جوهره تقليص دعم الطاقة (برفع أسعار الكهرباء للمنازل بمتوسط 42% و إلغاء دعمها للمصانع تماما)، و تخفيض الأجور الحقيقية، و فرض ضريبة القيمة المضافة، و الخصخصة، و تخفيض الجنيه، و المزيد من الاقتراض الخارجى. اقتصاديا، قد يحقق هذا البرنامج بعض الإيجابيات مثل جذب إستثمارات أجنبية إلى البورصة، لكن سلبياته ستكون أكثر. فهو دواء لغير الداء، و سبق لمصر تعاطيه و لم يتعاف اقتصادها. و سيولد موجة غلاء شديدة تؤدى إلى إفقار متزايد للطبقات الدنيا و الوسطى و تضر بالعدالة الإجتماعية. و سيُجرِّد المصريين من ممتلكاتهم العامة لصالح الخواجات. و لن يعيد للاقتصاد المصرى توازنه المفقود. و قد ينتهى بزعزعة الاستقرار الاجتماعى و السياسى. و الناس سوف يسائلون الرئيس عن كل ذلك، لأنه وُلِىُّ الأمر.
إننى أحذر من العواقب الوخيمة لفشل الإصلاح طبقا لهذه الوصفة، و بالذات فيما يتعلق بكيفية مواجهة مشكلة العجز الخارجى. فعندهم أن الحل يكون بالمزيد من القروض و اتباع مرونة أكثر فى سعر صرف الجنيه. يعنى مزيدا من تخفيض قيمة الجنيه. هذه هى وصفة الصندوق، لكنها ستزيد الحال سوءا. فالتخفيض سيؤدى إلى مزيد من الغلاء، و إلى معاناة معظم صناعات التجميع و تقليل تنافسيتها، وسيستلزم زيادة مخصصات الدعم لتأمين الحماية الإجتماعية ضد الغلاء، و زيادة مخصصات خدمة الدين الخارجى فى الموازنة العامة للدولة. تخفيض الجنيه قد يقلل بعض الواردات و يزيد بعض الصادرات و يجذب بعض الاستثمارات، لكن الثمن فى المقابل زيادة عجز الموازنة و توليد التضخم و زيادة الدين الخارجى. و البديل الذى نطرحه أساسه اعتمادنا على الذات وضبط الواردات إعمالا لحقوق مصر كعضو فى منظمة التجارة العالمية طبقا للمادة 18- ب من إتفاقية الجات، و وضع ضوابط لحركة رؤوس الأموال الأجنبية، و التخلى عن المشروعات القومية المشكوك فى جدواها مثل مشروع العاصمة الإدارية الجديدة، و محاربة الفساد فى منظومة التموين و القمح لوقف إهدار المال العام بالمليارات. فلو خفضنا وارداتنا بنسبة 20% بالتفاهم مع شركائنا التجاريين، نوفر أكثر من 12 مليار دولار، يعنى أكثر من مبلغ قرض الصندوق. و بإلغاء العاصمة الجديدة و تأجيل بعض المشروعات الأخرى، نوفر عشرات المليارات من الجنيهات. و بالقضاء على فساد منظومة التموين و القمح، نوفر عشرة مليارات جنيه على الأقل. فهل تناقشنا الحكومة فى كل ذلك، أم أن زَمَّار الحى لا يُطْرِب؟

التعليقات متوقفه