صفحة من تاريخ مصر: جماعة الجهاد.. رؤية أكثر عمقا (28)
ولأننا حرصنا على إثبات أقوال من متهمين ومن المحكمة نقول بوقوع عمليات تعذيب انتزعت بواسطتها الاعترافات فإننا واحتفاظاً بوعودنا بالموضوعية.
ونبدأ بزينب الغزالي التي ملأت الدنيا صياحًا بادعاءات تعذيب لا تصدق. واتخذت من الادعاءات الإيحاء بأنها ملائكية الجسد والموقف وتقول “أدخلوني غرفة مليئة بالكلاب المسعورة لمدة ثلاث ساعات وظلت الكلاب تنهش جسدها ولم تترك أنيابها أي موضع ثم أخرجوها فإذا ثيابها بيضاء وجسدها سليم”.. وادعت أنهم جلدوها ست مرات، فى المرة الواحدة 500 جلدة وفى مرات ألف جلدة وكان يجلدها عشرة رجال فى وقت واحد، وأدخلوا عليها وحشاً فى صورة جندي وأغلقوا عليها الزنزانة فتحول الوحش إلى كائن وديع وركع قائلاً لاتخافى يا خاله ولو قطعوني” ولما فتحوا الزنزانة أعدموه فوراً. وعشرات من قصص خرافية ومحاولات إجرامية لا يهزمها إلا الأنبياء جيوش من الفئران تنزل من النافذة لكنها تفر مذعورة، حفنة جنود لافتراسها سقوهم خمراً وحشيشاً وحقنوهم ليثيروا غريزتهم.. لكنهم أمامها فشلوا. وحتى بعد الإفراج عنها كانت تتهم الناس جزافا بأنهم عذبوها. وفى رسالة من أحمد حامد صحفى بالإذاعة والتليفزيون أنها رأته فى إحدى الحفلات التي حضرتها بعد الإفراج عنها فقالت هذا الرجل كان يعذبني وأقسم الرجل أنها المرة الأولى التي رآها فيها [كرم جبر – المرجع السابق صـ175].
ويروي فؤاد علام قصة أحمد رائف الذي كتب له رسالة وهو فى السجن يقول فيها “أقول لسيادتكم إنني لم أضيع دقيقة واحدة فى غير حرب هؤلاء الأوغاد [سجناء الإخوان] وحاجتهم فى جوهر عقيدتهم، لقد أعلنت حربًاً على الإخوان أحدثت تزعزعاً فى صفوفهم.. فحرب الإخوان والقضاء عليهم وتأييد الحكومة ودعمها واجب على كل مسلم عاقل.. وأني أؤكد لك بل وأعاهدك عهداً أسأل فيه أمام الله أن أكون مخلصاً كل الإخلاص فى سرى وعلانيتي لكم ولمصر وللثورة”. وبعد الإفراج عنه ساعدته أمن الدولة فى السفر للخارج للعمل. ولكن أن فتح السادات الباب أمام عودة الإخوان أصبح أحمد رائف من أهم أعمدة الإخوان وتقدم بشكاوى يتهم فؤاد علام بتعذيبه” ويقول علام إن رسائل أحمد رائف محفوظة لدى أمن الدولة ولهذا حفظت شكواه. [المرجع السابق صـ152].
ويواصل لواء علام رواياته فيقول إنه أثناء نظر ما أسمي قضية التعذيب الكبرى رقم 1305 لسنة 82 والمتهم فيها 44 ضابطاً من أمن الدولة والسجون صرخ بعض المتهمين بأعلى صوتهم الى شخص كان يجلس بقاعة الجلسة ويدون بعض الملاحظات وأقسموا أنه كان مشاركاً فى تعذيبهم فأمر القاضي بالقبض عليه وبسؤاله اتضح أن الدكتور على محمد إبراهيم أبو العيش الطبيب بمستشفى جامعة عين شمس وأن الجامعة كلفته بحضور الجلسات لدراسة الأحوال النفسية للمتهمين فى قضايا التعذيب وأنه حصل على إذن من المحكمة لحضور الجلسات [صـ181]
وإذ بادرت النيابة بالتحقيق فى دعاوي التعذيب وأثبتت أنه بمناظرتهم ثبت أن الغالبية العظمى منهم لم تكن بهم إصابات. فما كان من المتهمين إلا أن اتهموا النيابة بالتواطؤ مع مباحث أمن الدولة. وردت النيابة عليهم بمفاجأة وهي ورقة بخط يد عبود الزمر ضبطت مع أحد المتهمين واسمه حسن شنن أثناء ترحيله إلى مكتب النائب العام لسؤاله عن وقائع التعذيب وفى الورقة تعليمات من عبود الزمر بضرورة الإصرار على طلب التحقيق مع وكلاء النيابة بدعوى تضامنهم مع مباحث أمن الدولة. ومرة أخرى صرخ المتهمون مشيرين إلى أحد الأشخاص واتهموه بأنه كان يشرف على تعذيبهم وأجمعوا على ذلك وانفجرت القاعة بالضحك عندما تبين أن هذا الشخص هو أمين سر النيابة [المرجع السابق – صـ182] ويمضى اللواء فؤاد علام ليقدم نموذجاً آخر “هو صفوت عبد الغني فيلسوف جماعة التكفير والهجرة ورغم خطورة أفكاره واتباعه أساليب العنف والإرهاب إلا أننا نجحنا فى إقناعه بالحجة وليس بالتعذيب فقد لجأنا إلى العلماء وليس إلى الجلادين. وبناء على موافقته عقدنا له سلسلة لقاءات مع الدكتور الأحمدي أبو النور واستمر الحوار لمدة شهر بصفة يومية وفى كل جلسة يستمر الحوار حوالي 8 ساعات، وعندما طلب بعض الكتب والمراجع وفرنا له أكثر من 30 مرجعاً وتركناه أكثر من شهرين يدرس ويتفقه ونجح الدكتور الأحمدي فى إقناعه.. وكتب من السجن رسائل يشيد فيها بالمعاملة الحسنة وفى إحداها قال “لقد تركتم بصمات بنية حسنة فى كثير من أموري فكم لكم من أيادٍ بيضاء لا تنسي، فقد كنتم فى أوقات الشدة معيناً ومساعداً، ورقق الله قلوبهم لكثير من شأني فكنتم سبب أراده الله لتخفيف بعض ما أعانى وتطبيب آلامي وجروحي فى محنتي التي أمر بها” [المرجع السابق صـ184].
وإذا كانت هناك ادعاءات كاذبة بشأن التعذيب فإنني أستأذن فى أن أقرر أن المبالغة فى المعاملة الحسنة ومتابعة هذه المعاملة حتى بعد الخروج من السجن لم يكن ممكنا ولا ملحوظاً مع الجميع وفى نهاية الأمر فإن المبالغة من هذا الطرف ثم المبالغة من الطرف الآخر توحي بافتقاد صحة الأشياء حتى ولو كان بعضها صحيحاً.
وسنواصل متابعين العلاقات مع السجناء والتحقيقات معهم.

التعليقات متوقفه