ضد التيار: الخوف من الأمل
نوعان من المواقف تبلورا فور إعلان الرئيس السيسي فرض حالة الطوارئ، فى أعقاب الدماء المصرية المراقة داخل وخارج كنيستي طنطا والإسكندرية، ولمواجهة الإرهاب المستفحل فى البلاد منذ يناير 2011 وحتى الآن.
الموقف الأول يتخوف من أن تطول حالة الطوارئ الحريات العامة وحريات الرأي والتعبير والصحافة، بالتقييد والمصادرة والعودة إلى سياسات الاعتقال التي ظلت سائدة فى مصر، منذ اغتيال الرئيس السادات وحتى الثلاثين عاماً التي تلت اغتياله.
ويبرهن هؤلاء على موقفهم بما جرى من مصادرة لعددين من صحيفة البوابة، فور إعلان الطوارئ، وبرغم أنني أثق فى النية الصادقة لهؤلاء، بالخوف على الحريات العامة، لكن الشواهد لمواقفهم خلال السنوات الست الماضية، تؤكد أن معظمهم لا يعترف بالقدر الكافى بأن مصر، تمر بظروف إستثنائية، وأن الدولة المصرية فى حرب ضروس مستمرة على الإرهاب خلال السنوات الست الماضية، لم تعد تقبل أنصاف الحلول، بعد أن انتقلت جرائمها من شمال سيناء إلى مدن وقرى الوادي، وتطورت وسائلها بفعل الدعم العربي والدولي لها بالأسلحة والمعلومات والأموال، من قطر إلى تركيا ومنهما إلى بعض الدول الغربية.
لا تنقص هؤلاء الذرائع للهجوم على سياسات النظام القائم سواء أعلنت حالة الطوارئ أو لم تعلن، وبعضهم يفصح عن هدفه النهائي بوصف الحرب على الإرهاب بأنها مجرد صراع على السلطة بين النظام ومعارضيه من جماعة الإخوان، وهو رأي تنقصه النزاهة الفكرية، فضلا عن انحيازه الأيديولوجي، لأنه يبرر لجماعة الإخوان جرائمها، ويلتمس لها الأعذار، حتى بعد أن انتقلت تلك الجرائم من التصدي لرجال الجيش والشرطة، إلى قتل المدنيين وتفجير المنشآت العامة والكنائس، سعيًا لإضرام حرب طائفية !.
يتفهم الموقف الثاني الدواعي التي اقتضت إعلان حالة الطوارئ، أسوة بالدول الغربية الديمقراطية التي أعلنتها، لتتمكن الأجهزة الأمنية من وضع قانوني أكثر مرونة، للتصدي للإرهابيين.
والقول بالخوف من عودة سياسة الاعتقال مردود عليه، بأن المحكمة الدستورية العليا أصدرت فى عام 2013 حكمًا بعدم دستورية الفقرة الأولى من المادة الثالثة من قانون الطوارئ التي تمنح رئيس الجمهورية الحق فى اعتقال المواطنين إداريًا، فى حالة إعلان حالة الطوارئ، وبذلك يصبح التخوف من أن تستغل حالة الطوارئ للتوسع فى الاعتقال الإداري بتهمة الاشتباه فى الإرهاب أمرًا غير واردٍ، لأن كل عمليات تقييد الحرية ستتم طبقا لقانون الإجراءات الجنائية، وبعد تحقيقات وقرارات تصدر من النيابة العامة.
والتعديلات التي أدخلها البرلمان على قانون الإجراءات الجنائية، سوف تمنح بدورها السلطات الإدارية الفرصة لاعتقال المشتبه فيهم، ليتم التأكد من عدم جدية الاتهامات الموجهة إليهم.
وللبرلمانيين المولعين بتعديل الدستور قبل تطبيق بنوده، أقول ليس هناك ضرورة لبحث مجلس النواب فى تعديل المادة 204 من الدستور، بما يسمح بمحاكمة الإرهابيين أمام القضاء العسكري، لسبب بسيط هو أن قانون الإرهاب 136 لسنة 2014 ينص على أن أي اعتداء على المنشآت العسكرية أو ما فى حكمها التي يحرسها الجيش أو الشرطة، يقدم مرتكبوه للمحاكمة أمام القضاء العسكري، وهنا بالضبط يتم فهم قرار الرئيس السيسي بنشر وحدات عسكرية خاصة لحماية الكنائس، والمنشآت العامة، ليس فقط بهدف حمايتها وتأمينها، بل أيضًا لتقديم المعتدين عليها للمحاكمة العسكرية، بالإضافة إلى أن قانون الطوارئ يسمح لرئيس الجمهورية، بإحالة أية قضية للقضاء العسكري.
ليست المعركة مع الإرهاب فى مصر صراعًا على السلطة، بل هي مخطط واضح لكل ذي عينين منصفتين خاليتين من الغرض والمرض، لنشر الخراب والدمار فى أرجاء الوادي.
والقرارات الأخيرة التي أصدرها الرئيس السيسي، تفتح بابًا للأمل بأن الحرب على الإرهاب غير مستعصية على الانتهاء مهما طالت، بتطوير الإمكانات المادية والتشريعية لمواجهتها، وللتصدي بحسم للخطاب الديني الذي يغذي الإرهاب بما يزعم أنه نصوص مقدسة، وللابتزاز الذي تمارسه المؤسسة الدينية الرسمية، بتقاعسها عن الاستجابة للدعوة المتكررة للمساهمة فى تجديد الخطاب الديني، وتنقيته من تراث رث يجري تقديسه، برغم أنه تم إقحامه على الفقه الإسلامي لظروف تاريخية، انتهى زمانها.
باب للأمل، لعله أن يفتح كل الأبواب الموصدة أمام تجديد هذا الخطاب بتحويل المجلس الأعلى لمكافحة الإرهاب إلى منارة لتحديث البرامج التعليمية والإعلامية والسياسية، ووضعها فى برامج عملية واضحة وملزمة لكل مؤسسات الدولة، كي تثمر فى هدفها، وفى مجال التنمية البشرية، قاطرة التحديث والتجديد والبناء فى كل المجتمعات.

التعليقات متوقفه