ضد التيار: بدلا من هذا الجموح

69

كما كان متوقعا ومعهوداً، واستنادا إلى تاريخ أضاء منظومة العدالة المصرية، اتسم رد فعل قضاة مصر على جموح السلطتين التشريعية والتنفيذية، فى سرعة مناقشة والتصويت والتصديق ونشر قانون السلطات القضائية فى الجريدة الرسمية، بالرصانة والاحساس الرفيع بالمسئولية، برغم اعتراضهم على التعديل الذي أدخل على القانون، وعدل العرف المستقر على ترشيح أكبر القضاة سنا لتعيين رؤساء محكمة النقض وهيئة قضايا الدولة ومجلس الدولة، إلى منح رئيس الجمهورية حق الاختيار بين ثلاثة ترشحهم الهيئات القضائية.
قدم القضاة أسباب الحفاظ على الاستقرار، فى ظل الظروف الاستثنائية التي تعيشها البلاد، والتحديات الأمنية والاقتصادية التي تواجهها، على مطالب أخرى بين صفوفهم لتصعيد الأزمة، بعد أن أدركوا أن التصعيد لا يخدم مصلحة أحد، ويخلق مناخا لا يستفيد منه سوى الإرهابيين، ومن يحرضونهم فى الداخل والخارج ضد مصر ودولتها وشعبها، ويسعون لحصارها، وتحطيم اقتصادها، واستغلال معاناة الفئات الشعبية من الظروف الاقتصادية الطاحنة، لاشعال ما يزعمون أنه ثورة يصعب تطويقها، لتحقيق اوهامهم بالعودة مرة أخرى إلى سدة الحكم.
وجاء قرار نادي القضاة بتأجيل اجتماعه الطارئ إلى أجل غير مسمى، تفاديا لصدام محتمل بين القضاة أنفسهم، الذين انقسموا بشأن التعديلات الجديدة، بين مؤيد ومعارض، فضلا عن موافقة المجلس الاستشاري لنادي القضاة على تضمين جدول أعمال اجتماعه المؤجل، إلى جدول أعمال اجتماع الجمعية العمومية العادية لمحكمة النقض المقرر عقده فى 23 مايو الجاري، لضمان ابتعاد لحظات الانفعال الوقتية على سير المناقشات، بالاضافة إلى الطعن بعدم دستورية قانون السلطة القضائية، وتقديم مشروع متكامل بديل له للعرض على هذا الاجتماع، يأمل كثيرون أن ينطوي على اقتراحات فعالة لتحديث النظام القضائي، وتدريب القضاة، واختصار الإجراءات القضائية، وضمان سرعة تنفيذ الأحكام وطمأنة الرأي العام بشأن ما يشاع عن توريث المناصب القضائية، والمغالاة فى الرواتب والمكافآت والمكاسب المالية، والتصدي الحازم للفساد المالي والإداري لدى البعض منهم والانحيازات السياسية التي تفضي إلى أحكام لا صلة لها بالصالح العام.
لكن تصرف القضاة بحكمة، لا ينفى الجموح والاستهتار الذي تعاملت به السلطتان التشريعية والتنفيذية، مع الأصوات المعارضة للقانون.
وعلى من بيدهم الأمر فى بلادي أن يضعوا فى اعتبارهم،أن الحرب على الإرهاب، ومحاولات ضرب الاقتصاد، وحرب التجويع التي باتت تفرض على الناس، تحتاج إلى أوسع جبهة من الرضاء الشعبي.
ويملي الاصطفاف الوطني على صاحب القرار، عدم تهميش البعد الاجتماعي عن الأزمات الراهنة والقرارات الصادرة، وضبط إيقاع الصراع الاجتماعي، لا قمعه ومنعه بالاقصاء والتهميش والانكار، وبالجموح الذي يهيئ المناخ لتحويل أزمة فئوية يمكن بالتفاوض والاصغاء إلى أصحابها حلها بما يرضي جميع الأطراف، بدلا من تحويلها إلى صراع مع الدولة.
أما وقد صدر القانون، وسيتم تنفيذه، فإنني أثق أن السلطة المختصة، وهي هنا رئيس الجمهورية، سوف تمارس حقها بدرجة من الرشد والذكاء، بما يحافظ على القاعدة الأساسية فى الاختيار، وهي الأقدمية المطلقة، إلا فى حالات استثنائية مقنعة لكي يظل هناك اقتناع لدى القضاة، إن هذه السلطة لم يساء استخدامها، وإن كانت هناك ضرورات تحتم عدم استخدام هذه القاعدة، فليس من بينها بالقطع، إهدار استقلال القضاء. وهذا يتطلب أن تستخدم السلطة التشريعية صلاحياتها بشكل أقل جموحاً مما تفعله الآن، ومن واجبها مع تأييد أغلبيتها للسلطة التنفيذية القائمة، أن تساهم فى ترشيد عمل هذه السلطة.
وقد يكون القول بأن إصلاح القضاء بات أمراً ضروريا، وأن به عوار شأنه شأن مؤسسات أخرى فى الدولة، يتطلب سرعة الاصلاح، ذلك أن قوة النظام القضائي المصري، واستقلاله ليس شأناً يخص القضاة وحدهم، بل هو مطلب دستوري، يحمي حقوق المواطنين، وبرهان على شفافية الدولة، أمام المحافل الدولية وحتى على قدرتها على جلب الاستثمارات الخارجية.
وليس هناك أنسب من هذا التوقيت للدعوة إلى عقد مؤتمر للعدالة تقدم فيه مقترحات لاصلاح هذا القطاع الحيوي وحلول لمشاكله يجدد الاحترام لمقامه الرفيع، وللدور المهم الذي لعبه فى الحفاظ على مدنية الدولة المصرية.

التعليقات متوقفه

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More

Privacy & Cookies Policy