لقطات: قُل دفتر و لا تقل بوكليت
عزيزى القارئ، لقد سئمت الحديث عن سياساتنا العامة. فلن أتحدث عن الاتفاق مع الصندوق و لا عن عجز الموازنة أو التضخم أو الدين أو قانون التظاهر. و فضلت أن تكون هذه اللقطة بعيدا عن السياسة، و إن كانت فى الحقيقة فى صُلب السياسة. أكتب، ربما للمرة الخامسة أو السادسة، دفاعًا عن لغتنا الجميلة أو لغة الضاد- اللغة العربية. والذى دفعنى إلى ذلك هو ما ترتكبه وزارة التربية و التعليم فى شخص وزرائها من انتهاك صارخ للغة البلاد و العباد. أنا أقصد بذلك نظامها الجديد لمحاربة تسريب وغش الإمتحانات و الذى أطلقت عليه الوزارة اسم “نظام البوكليت”. عندما سمعت كلمة “بُوكليت” لأول مرة، تصورت أن هناك خطأ غير مقصود. لكن بتكرار تصريحات وزراء التربية و التعليم حول النظام الجديد و التجارب التى أجريت عليه، أدركت أن ليس هناك خطأ و أن الوزير يعنى ما يقول- “نظام البوكليت”.
رحت أُقَلِّب صفحات المعاجم و القواميس لتأكيد أن لدينا فى لغتنا مرادفا لكلمة “بوكليت”. و وجدت أن هناك على الأقل ثلاثة مرادفات: كُتَيِّب أو كراسة أو دفتر. و عجبت: لماذا اختارت الوزارة المسئولة عن تربية النشء لفظا أعجميا رغم توافر بدائله فى لغتنا؟ الوزارة بها فطاحل فى اللغة العربية و جهابذة فى اللغة الإنجليزية، و بالتالى كان بوسع وزرائها معرفة أن بوكليت يرادفها كتيب أو كراسة أو دفتر. كما يوجد على الضفة الأخرى من نهر النيل مجمع اللغة العربية. و كان من السهل أن يعبر وزير التربية و التعليم النهرالخالد إلى مجمع الخالدين، بحثا عن مسمى عربى المبنى و المعنى لنظام الامتحانات الجديد يرادف كلمة بوكليت. لكنه ربما خشى أن تكون إجابة المجمع “دفتر أسئلة و فراغات لإجهاض ألاعيب شاومِنج لتسريب الإمتحانات” (على طريقة شاطر و مشطور و بينهما طازج- يعنى السندويتش بالهنا و الشفا)!
ألم يعرف السادة المسئولون أن الدنيا كلها تحتفل باليوم العالمي للغة العربية فى 18 ديسمبر من كل سنة؟ و هذا يوافق اليوم الذي أصدرت فيه الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارها رقم 3190 فى ديسمبر عام 1973بإدخال اللغة العربية ضمن اللغات الرسمية فى المنظمة الدولية بناء على اقتراح قدمته المملكة المغربية والمملكة العربية السعودية فى الدورة 190 للمجلس التنفيذي لمنظمة اليونسكو؟ معلوم أن مصر عضو فى اليونسكو، و يمثلها فى تلك المنظمة وزير التعليم العالى زميل وزير التربية و التعليم على طاولة اجتماعات مجلس الوزراء. و معلوم أيضًا أن مصر قدمت فى السابق مرشحين لمنصب مدير اليونسكو هما الدكتور إسماعيل سراج الدين مدير مكتبة الإسكندرية والفنان فاروق حسنى وزير الثقافة الأسبق، لكن لم يحالفهما الحظ. و معلوم ثالثا أن مصر طرحت مؤخرا الدكتورة مشيرة خطاب وزيرة السكان و السفيرة السابقة كمرشح لمنصب تلك المنظمة؛ و نتمنى لها التوفيق. يعنى اللغة العربية ليست عورة، و إنما هى بامتياز جزء من قوة مصرالناعمة. فهل السادة وزراء التربية يدركون ذلك؟
لم أعرف الدكتور الهلالى الشربينى و زير التربية و العليم السابق. و لا أعرف الدكتور طارق شوقى الوزير الحالى شخصيًا، و إن كنت سمعتُ عنه كُل خيرٍ. و قد كان فى فترة سابقة مديرًا للمكتب الإقليمى لليونسكو- تلك المنظمة التى رفعت لواء اللغة العربية إلى الأمم المتحدة. و من هذا المنبر أخاطب وزير التربية و التعليم: “سيادة الوزير، قُل: دفتر إمتحانات،أو كراسة إمتحانات،أو كُتيب إمتحانات. لكن بالله عليك لا تقل: بُوكليت إمتحانات. و حيث إن الإمتحانات لم تبدأ بعد، فإن الوقت مناسب تمامًا لتصحيح هذا الوضع المُعوَج و المهين للغتنا الجميلة. لذلك أرجو من سيادتك إصدار قرار بتعديل المسمى بما يضع الأمور فى نصابها، و يَرد إلى اللغة العربية اعتبارها. أما إذا لم يكن كلامى مقنعًا، أو أن هناك مبررات أخرى لا أعرفها تدعوكم للتمسك بكلمة بُوكليت، فأكون شاكرًا لكم توضيح المسألة حتى نضع الأمور فى نصابها و يستنير الرأى العام. و السلام”.

التعليقات متوقفه