ضد التيار: قرار جابر نصار الطائش

65

.. وفى قواميس اللغة، فإن كلمة طائش تعني « لاتفكير فيه « ولا « تبصر» وغير متمعن فيه، وأضيف عليه من عندي متسرع وغير صائب. ولأسباب كثيرة سترد فى هذه المقالة، لا أتفق مع الذين بادروا بالترحيب بقرار رئيس جامعة القاهرة الدكتور جابر نصار، بإبداء رغبته فى عدم الترشح لدورة ثانية فى رئاسة الجامعة بدعوى إتاحة الفرصة لتداول المنصب، وتركه لموقعه الوظيفي، بعد دورة تكللت بالنجاح، وتمردت على قواعد فساد موروثة، قيدت العمل الجامعي، وأعاقت منظومته التعليمية، ووصمتها بالتحيز الطائفي، والتخريب العلمي والمالي، والإداري.
وبرغم وجاهة الأسباب التي يسوقها المرحبون بالقرار، إلا أنها أسباب تتجاهل طبيعة الحالة المصرية. خاض الدكتور نصار معارك ضارية، ووضع يده فى عش الدبابير على امتداد أربع سنوات وهو يعيد هيكلة الجامعة لتوفير الأموال لكي تعتمد على مواردها الذاتية، ويحارب معاقل الفساد والتطرف داخل الحرم الجامعي، وينقل الجامعة إلى مواقع متقدمة فى التصنيفات الدولية، لتصبح من أفضل 500 جامعة على المستوى العالمي، هذا بالإضافة إلى منع التدريس والتمريض بالنقاب، وحظر الزوايا، وقصر الصلاة على المسجد، وإلغاء خانة الديانة من المحررات الرسمية داخل الجامعة، ورفع ميزانية البحث العلمي، ووقف التدريس بالملازم، والعودة إلى الكتب لتشجيع الطلاب على فضيلة القراءة والبحث فى مكتبات الجامعة وإعادة الفنون إلى الحرم الجامعي.
لم يسلم جابر نصار من مهاترات من تقاعسوا عن القيام بواجباتهم الوظيفية، ليصفوا إجراءاته بالمنظرة الإعلامية، ومن احتشاد القوى المحافظة داخل مجلس النواب وخارجه للتشكيك فى خطواته الجسورة ومن نجاح شلل الفساد والمصالح فى حصر إنجازاته داخل نطاق جامعة القاهرة، دون غيرها من بقية الجامعات الإقليمية.
ولعل الإنجازات المتعددة التي قام بها د. نصار فى الجامعة، هي نفسها المبررات التي تستدعي بقاءه فى الموقع لدورة أخرى، والسبب بسيط ومعروف عن ظهر قلب، ففى بلدي الحبيب مازالت ثقافة المؤسسات غائبة، وفيه يظل الإنجاز مرهونا بالشخص الذي حققه ورعاه، ويمتلك رؤية واضحة لتطويره، وإرادة حديدية لتغيير قبح الواقع وفساده، وفى ظل هذا المناخ الثقيل الذي يرفع أهل الثقة على حساب أهل الكفاءة والخبرة، فما أن يتخلى صاحب الإنجاز عن موقعه، حتى تستحضر قوى الفساد والبيروقراطية النافذة والتقاليد الفرعونية التليدة، كل أسلحتها لهدم إنجازه وتحطيمه، سعيا لبناء مجد شخصي على أطلاله، فضلا عن فتح أبواب كانت موصدة لامتيازات غير مستحقة !.
يحدث هذا فى بلدي الحبيب فى كل المواقع، فى المؤسسات الكبرى والصغرى، فى النقابات، وفى الأحزاب، فى هيئات التدريس المدرسية والجامعية، فى الوزارات وفى معظم المواقع التنفيذية، من رئاسة الجمهورية، وحتى رئاسة الوحدة المحلية فى مركز فرشوط « فى محافظة قنا « !
لم تترسخ فى بلادنا بعد دولة المؤسسات، ومازال الشوط طويلا فى مشوار مكافحة الفساد، والشللية، والاختيارات العشوائية والشخصية والأمنية، الساعية لضمان الولاء، أكثر من ضمان الكفاءة والأهلية والجدارة، لتقلد الوظائف العامة.
ولأن النجاح يغري بمواصلته، فإن ترشح د. جابر نصار لدورة أخرى لرئاسة الجامعة، أضحى ضرورة، كي تترسخ رؤيته الإصلاحية التي بدأت لتعود الجامعة كما حلم المصريون الذين اكتتبوا لإنشائها وناشدوا حاكم البلاد بأن تكون جامعة بحديقة وزهور ودستور « يا أفندينا»، وكما حلم مؤسسوها فى بدايات القرن الماضي، مصطفى كامل، وسعد زغلول ولطفى السيد وقاسم أمين ومحمد عبده وطه حسين أن تصبح مسرحا لنهضة البلاد فى المجالات كافة، ومنارة للفكر الحر المستنير، وجسرًا للتواصل مع الحضارات والثقافات والعلوم الحديثة.
وسواء كانت تلك رغبة د. نصار أم رغبة غيره فهى ضربة طائشة حتى يتم العدول عنها.

التعليقات متوقفه

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More

Privacy & Cookies Policy