قضية للمناقشة: كوارث وأولويات

75

 

كتب المسرحي الراحل ” محمود دياب” قبل خمسين عاما نصا من فصل واحد بعنوان ” الرجال لهم رؤوس ” ورغم صعوبة وتعقيد عملية الإبداع لمثل هذا الشكل من النصوص المسرحية فقد خرج هذا النص سنة 1968 محملا بما يمكن أن نسميه النبوءة ، إذ كانت مصر مجروحة جرحا عميقا بعد هزيمة 1967 ، كما أنها عجزت وربما حتى رفضت إخفاء جراحها ، وكان الصراع الطبقي محتدما ، بعد أن عبر اليمين بكل فصائله ، وبخاصة اليمين الديني عن شماتة بل وفرح نكاية في ” جمال عبد الناصر ” ، وثورة يوليو برمتها ، إزاء فداحة ما حدث ، وصلى أحد قادتهم ركعتين ـ كما قال شكرا لله .

دارت الفكرة المحورية والمكتوبة بعمق ومرارة في نص ” محمود دياب ” حول استقبال زوجين لصندوق من مجهول ، وحين فتحاه وجدا جثة بلا رأس ، وبعد حيرة وهلع قررا أن يضعا مفرشا ملونا فوق الصندوق ويواصلا لعب الكوتشينة كأن شيئا لم يكن.

وقامت فرق مسرحية صغيرة بتقديم النص في قاعات غير مجهزة وكانت مرحلة إزدهار المسرح المصري في ستينيات القرن الماضي قد أخذت في الانحسار وكانت قوى اليمين الديني قد أطلقت دعايتها السوداء ، وهي تسهم في تمهيد الأرض للانقضاض الساداتي على ما أنجزته ثورة يوليو خاصة في ميدان الحقوق الاجتماعية للعمال والفلاحين والطبقة الوسطى من تعليم وصحة وتشغيل وإسكان رغم قمع الحريات .

وخرج المصريون في يناير 2011  ويونيو 2013 احتجاجا على الفساد والاستبداد وتزوير الانتخابات وإغلاق المجال العام ، واحتكار رجال السلطة ونسائها للمناصب والثروات ، وانكماش أدوار مصر ونفوذها السياسي والثقافي .

وكان نظام ” مبارك ” يسلك تماما مثل الزوجين بعد أن استلما المصيبة حين وضعا مفرشا ملونا فوق الصندوق ـ النعش ، إذ انخرط جهاز دعايته في الترويج والمديح ، وتزويق القبيح .

وتوقع المصريون بعد موجات الثورة ، ورواج مصطلح الشفافية بخاصة على ألسنة المسئولين الجدد ، أن ينتهي إلى الأبد منهج التغطية على الكوارث ، مع البدء في إصلاح المرافق المتهالكة وفتح المصانع المغلقة ، وإعادة النظر في مشكلات الأراضي الزراعية القديمة ، وإغلاق الباب الذي يخرج منه الفلاحون الفقراء وأبناؤهم لتكوين مزيد من العشوائيات حول المدن بسبب إنهيار الريف ، أو تكدس المهاجرين في الموانئ بحثا عن أمل في الوصول إلى أوروبا من أجل العيش بكرامة ، ثم يغرق بعضهم في مشهد يتكرر تقريبا كل يوم ، وسئل شاب نجا من الغرق في محاولة هجرة عبر البحر إن كان سوف يكرر المحاولة فرد بحسم إنه سوف يفعل.

لم يقتصر تأثير ثقافة النفط وثروات الخليج الطائلة على مجرد هجرة مئات الآلاف من المصريين بل الملايين إلى دول الخليج ثم عودة بعضهم متأثرين بهذه الثقافة في الشكل والملبس ، وإنما انتقل الينا أيضا ذلك ” الهوس ” بالأشياء الكبيرة اللامعة ، أكبر برج في العالم ، أكبر بحيرة صناعية ، أكبر شركة طيران ، وأخذت السياسات الحكومية ترتب أولوياتها ـ دون مناقشة أو حوار مجتمعي ـ طبقا لهذا ” الهوس ” بالأشياء الكبيرة واللامعة ، ورغم الشكوى الدائمة من شح الموارد ، وضيق ذات اليد ، انخرطت الحكومة في بناء مدن جديدة تاركة المدن القديمة تئن تحت وطأة تهالك مرافقها ، واقترضت لإنشاء قطار كهربائي بينما بقيت السكة الحديد على حالها والتي كانت قد نشئت في القرن التاسع عشر ، لتقع بين الحين والآخر كارثة ويسقط ضحايا ، وتتمزق القلوب حين نسمع صراخ إمرأة فقدت عائلتها في الكارثة الأخيرة ، إلى متى سوف نبقى بلا سعر .

تقع مثل هذه الحوادث المؤلمة لتمزق المفرش الملون الموضوع على صندوق الكوارث ، ويتعري الواقع البائس وتسفر سياسات الحكومة عن انقسام إضافي ، فالبلد الآن بلدان ، واحدة تجري وحدها إلي  المستفيدين بأغنيائها والثانية تجري إلى المنحدر ويضاف إلى الانقسام الاجتماعي الحاد بعدا  جديدا .

آن الأوان إذن لإعادة النظرة الجدية في ترتيب الأولويات ، على أن تكون القوى الاجتماعية والسياسية طرفا ليتحول الحوار المجتمعي إلى حقيقة ، وتكف السلطات عن اعتبار المصريين جماعة من القصر الذين لا يعرفون مصلحتهم فتفرض عليهم وصايتها الأبوية الممقوتة ، في سعي لإعادة مفهوم الكل في واحد إلى الحياة بعد أن كانت الحياة ذاتها قد أسقطته في نهايات مأساوية أسقطت نظماً كانت تبدو في الظاهر راسخة وقوية ، فنزعت المفرش الملون عن الجثة الثاوية في الصندوق .

تتحمل القوى السياسية والاجتماعية والمثقفون النقديون مسئوليات كبيرة ـ أخلاقية على أقل تقدير ـ إزاء ما يحدث ، فلا يجوز لها أن تتعامل مع هذه الكوارث كأنها أشياء عادية تحدث في كل بلاد العالم ، وإنما هي مطالبة بأن تتخذ موقفا إيجابيا وفاعلا لا لإرضاء الضمير وإنما لتغيير الاولويات الحكومية في آخر المطاف .

 

التعليقات متوقفه

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More

Privacy & Cookies Policy