قضية للمناقشة: إلى د. إيناس عبد الدايم

185

كانت إقالة الدكتورة إيناس عبد الدايم من موقعها كرئيس للأوبرا قبل خمس سنين وفى ظل حكم الإخوان المسلمين هي القشة التي قصمت ظهر البعير كما يقال.
فجرت هذه الإقالة غضبا عارماً بين المثقفين، وأخذ هذا الغضب يتصاعد وصولا لعقد إتحاد الكتاب مؤتمراً استثنائياً بدعوة من رئيسه آنذاك « محمد سلماوي» وهو المؤتمر الذي قرر بما يشابه الإجماع سحب الثقة من الرئيس « محمد مرسي» الذي كان قد رفض كل المقترحات التي قدمتها له الأحزاب والقوى الوطنية ومن ضمنها حركة « تمرد « التي قادت الحراك الشعبي ضد حكم الإخوان وصولا إلى الموجة الثانية من الثورة فى 30 يونيه 2013.
وكان « مرسي « قبل ذلك بشهور قد أصدر إعلاناً دستورياً كارثياً استحوذ فيه على كل السلطات فى تحد سافر لكل القوى.
احتل المثقفون من كل المنابع والاتجاهات مبنى وزارة الثقافة احتجاجا على إقالة « إيناس» من موقعها، وأصدروا فى ذلك الحين مجموعة من البيانات رفيعة المستوى دفاعا عن الثقافة، والأهم من ذلك أنهم حولوا الشارع الذي يقع فيه مبنى الوزارة إلى منصة لكل ألوان الفنون أمام جمهور يتزايد كل ليلة، فقرأ الشعراء أشعارهم، وعزف الموسيقيون، ولعبت راقصات البالية، وقدم المثقفون المعتصمون فى المبنى حلولا مبتكرة لمشكلات الإضاءة والصوت، وأصبح مقر وزارة الثقافة مزاراً لأيام متتالية لصحفيين مصريين وأجانب وشخصيات عامة جاءت لتعبر عن تضامنها.
وعادت « إيناس « إلى موقعها كرئيسة للأوبرا تحت ضغط المثقفين.
والآن هي وزيرة الثقافة، وتعرف جيداً، طبيعة الآمال التي يعلقها عليها مثقفون كثر مستلهمين نجاحها فى إدارة الأوبرا، هذه الإدارة التي عبرت عن رؤية محورها وصول الثقافة الرفيعة إلى الجمهور العريض، لتكشف زيف القول بأن « الجمهور عايز كدة « والذي يردده تجار الثقافة الاستهلاكية والهابطة، والتي يجنون منها الملايين، فضلا عن المكسب السياسي من تزييف الوعي. وأذكر هنا ما حكاه لي د. يحي عبد التواب الأستاذ فى معهد الباليه عن تجربة عرض للبولشوي أقيم فى الهواء الطلق لعمال السد العالي فى أسوان، وكيف أن العمال تجاوبوا بشغف مع هذا الفن الرفيع وطالبوا بالمزيد.
وكانت تلك تجربة فريدة لم تتكرر، ولكن ظلت هناك محاولات فردية متناثرة دون تنسيق بينها حاول فيها مبدعون ومبدعات الوصول بالثقافة الرفيعة إلى الجمهور العريض فى القرى بشكل خاص، فكان العمل الرائع الذي قام به المسرحي الراحل «عبد الغفار عودة « فى المسرح المتجول، كذلك فعل المخرج « أحمد إسماعيل» حين قدم عروضا فى قريته، وكان هناك أيضا « مسرح الجرن» فضلا عن الأمسيات الشعرية فى الهواء الطلق التي جرى تنظيمها ضمن نشاط مؤتمر أدباء مصر فى شتى المحافظات مع مئات المحاولات لنشر الإبداع بعيدا عن شروط السوق.
وسيكون مفيدا للوزيرة أن تدرس كل هذه التجارب التي تتوافق تماما مع رؤيتها، ولتضع فى الاعتبار، أن ملايين المصريين حين أنجزوا موجات الثورة فى الأعوام القريبة الماضية كانوا يعرفون أن دمج الثقافة بالأهداف الثورية ينشأ من ذلك الرباط المتين بين الثقافة والمهام الاجتماعية الكبرى، ولم تكن مصادفة أن كل من « سيد درويش « والشيخ « إمام عيسى» اللذين عبرا عن الأشواق الجمعية للتغيير الثوري كل فى زمانه كانا أي هذين الفنانين العظيمين حاضرين حضورا طاغياً فى ميدان التحرير طيلة الثمانية عشر يوما منذ 25 يناير 2011 كما ولدت عشرات الفرق الغنائية الجديدة خلال هذه الأيام.
تعرف « إيناس عبد الدايم» بحكم رؤيتها وثقافتها أن الثقافة هي غاية ووسيلة فى الوقت نفسه، وحتى تتحقق غايتها فى الارتقاء بوعي الملايين وفتح الآفاق الجديدة أمامها تحتاج إلى إنفاق واسع، وربما يكون الحد الأدنى لميزانية جديدة لوزارة الثقافة هو مضاعفة الميزانية القائمة، ليكون بوسع الوزارة إدماج الثقافة كعنصر أساسي فى سياسات التنمية، وتصحيح نظرة بعض المسئولين للثقافة بإعتبارها زائدة عن الحاجة.
ويحتاج إصلاح البني التحتية للثقافة والتوسع فى إنشاء بيوت وقصور الثقافة ودعم السينما أيضا إلى أموال لتحرير الثقافة من هيمنة أقلية محظوظة عليها واحتكارها جهة ومجابهة التفكك الأخلاقي وحالة اللامبالاة والعدمية فى أوساط قطاعات من الشباب من الجهة الأخرى. وسيكون من الضروري التنسيق بين منظمات المجتمع المدني الثقافية ومؤسسات الدولة المعنية بالثقافة مع التأكيد على ضرورة إحترام استقلال المثقفين والتوسع مع ذلك فى الاعتماد عليهم، والتشاور معهم والتعرف على مطالبهم، فهم الرافعة التي ستحمل برنامج « إيناس عبد الدايم « الطموح إلى الجماهير العريضة، وهو برنامج لن يكون ناجحاً وقابلا للحياة دون وضع رؤية المثقفين والمثقفات فى الاعتبار.

التعليقات متوقفه

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More

Privacy & Cookies Policy