ضد التيار: معنا بمبادئه السامية

201

تحفل مذكرات خالد محيي الدين «الآن أتكلم» بدروس ثمينة، وخبرات عميقة، سواء على صعيد السلوك الإنساني أو السياسي . أولى تلك الدروس، الشجاعة الأدبية المذهلة، التي ترفض الرضوخ للأمر الواقع، أو التنازل عن المبادئ والقناعات، حتى لو كان ثمن ذلك هو العقاب بالنفى قسراً خارج الوطن، وفى تلك المذكرات يجيب خالد محيي الدين عن أسئلة شائكة كبيرة بينها: هل بوسع الإنسان أن يكتشف فضائل فى خصومه؟ وهل فى وسعه أن يتلمس عيوب محبيه؟ وهل يمكن فى قلب الهزائم والانكسار أن ينجح الإنسان فى صنع التناغم الشامل بين قوله وموقفه وقراره؟
هل يمكن للنفس البشرية لاسيما المهمومة بالشأن العام، وربما المنغمسة لأذنيها فى قلبه أن تتكشف شعاع ضوء فى الطرق المعتمة، حين يحتدم الصراع، ويصبح ثوار الأمس، حكاماً لليوم؟ وهل تسلح التربية الدينية الصائبة المتفتحة البشر، بمحبة غامرة لنجدة الآخرين وقت الاحتياج، وتمدهم بمشاعر واضحة لمفهوم العدل بكل مكوناته ؟
مذكرات «.. الآن أتكلم» تجيب بنعم عن تلك الأسئلة، وعن كثير غيرها .. وتكشف عن سلوك خالد محيي الدين السياسي والشخصي الرفيع، حين رفض وهو يتجرع محنة نفيه فى جنيف، عرضًا ماليًا سخياً من محمود أبو الفتح فى مقابل العمل لما وصفه شيء لإنقاذ مصر من براثن حكم عبدالناصر . ولم يكن مطلوباً من خالد الذي كان يعاني ضائقة مالية، سوى التحدث يومياً فى محطة إذاعة موجهة إلى مصر لتحقيق هدف «أبو الفتح» !
لم يدرك «أبو الفتح» أن خالد محيي الدين ليس هو النوع الذي يمكن إغراؤه بالمال، وإلا لقبل ما هو أكبر من ذلك: أن يقايض مبادئه بالبقاء فى الموقع المهم الذي عُرض عليه فى قمة السلطة، وتفضيله النفى عن تلك المقايضة.
سألت خالد محيي الدين ذات يوم من أي الأبواب دخلت عالم السياسة، فأجاب من الباب الوطني، وبعد شعور ضباط الجيش المصري بالمهانة حين فرضت سلطات الاحتلال حكومة على الملك.
وبعد أكثر من 25 عاماً من العمل معه، وبالقرب منه زعيماً للحزب ورئيسًا لمجلس إدارة صحيفة الأهالي ونائباً فى البرلمان، أستطيع أن أجزم أن خالد محيي الدين دخل عالم السياسة من باب آخر تماما، وهو عشقه لخدمة الناس، وتصديه لكل عمل يخدم مصالح عامة . فالموعد الذي كان لا يخلفه مهما تعاظمت المهام وكثرت الأعباء، هو الموعد مع المواطنين الذين يتقاطرون بشكل شبه يومي على مكتبه بحثاً عن علاج أو وظيفة، أو عن حلول لمشاكلهم الإدارية مع البيروقراطية المصرية العتيقة. وكانت الفرحة التي تغمر قلبه سرورا وابتهاجاً هي تلك التي تبشره بنجاح مسعاه لحل مشكلة سواء مست فرداً أو مجموعة من المواطنين، حتى لو لم يكونوا أعضاء فى حزب التجمع، وكان هذا الفهم هو الذي رسخه لدينا داخل الحزب، حين وجه عمل لجنة الدفاع عن الحريات فى الحزب التي تشرفت بالمشاركة فى تأسيسها، برعاية كل مسجوني الرأي فى حملات الاعتقال التي اعقبت انتفاضة الخبز عام 1977، وحملة سبتمبر الشهيرة عام 1981، بصرف النظر عن انتمائهم أو عدم انتمائهم لعضوية التجمع، إيمانا منه أن مساندة من يدفعون ثمناً لاجتهادهم فى شئون وطنهم هو دور ومسئولية، يخسر كل من يتخلى عن أدائهما .
لم يضع خالد محيي الدين أي تناقض بين سعيه الدائم لتحقيق سعادته الشخصية، وبين رغبته فى أداء الخدمة العامة، تقاربت المسافات بين الهدفين، ورسخت ذلك شخصيته الآثرة التي تمتزج فيها العواطف الدينية العميقة، بالمشاعر الوطنية، بالمبادئ اليسارية، فضلا عن خفة ظله وبساطة روحه، وتواضعه، وضحكته الساحرة التي كان يستقبل بها رواده، وأبوته الدافقة التي كان يغدق بها على الجميع، كباراً وصغارًا .
نعلم جميعاً الآن أن العبء بات ثقيلا بعد رحيله، لكنه يغيب فقط عن الأنظار، وتبقى الدروس الثمينة التي تعلمناها من تجربته الثرية الحافلة بالتنوع دائمة الحضور، وفى مقدمتها، أن المعنى الحقيقي للسعادة فى مجتمع تطحنه المصالح الفردية، وتشقيه الفوارق الاجتماعية يكمن فى تقديم التضحيات لخدمة الصالح العام، لكي يتغير الوطن، وينعم كل مواطنيه بالعدل والمساواة والحرية .

التعليقات متوقفه

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More

Privacy & Cookies Policy