قضية للمناقشة: عطيات الأبنودي وفنها

223

رحلت “ عطيات الأبنودي “ عن عالمنا وكأنها تغادر إلى مزيد من التجاهل والنسيان ، فهي نموذج واحد من مئات المبدعات والمبدعين الذين اختاروا لحياتهم وعملهم رسالة ومعنى ، ونحتوا فى الصخر ـ حرفيا ـ من أجل إنجاز أعمال تحمل الرسالة والمعنى إضافة إلى المعرفة والمتعة فهم غالباً ما يفكرون بشكل مختلف عن السائد ، لأن الرسالة والمعنى حالت بينهم وبين جمهورهم المحتمل بيئة غير مواتية على كل المستويات .
وواصلت “ عطيات “ عبر مشوارها الذي امتد لأكثر من نصف قرن سعيها عبر الأفلام التسجيلية التي غاصت فى حياة البسطاء والمهمشين لتسليح الجمهور بمنهج بديل وأصيل فى النظر إلى الحياة رغم البؤس واللوعة وفقدان الأمل أحيانا ، فهم بشر نعم ، لهم أحلامهم وكرامتهم وغنى أنفسهم الداخلي ، وطاقاتهم الكامنة وقدراتهم على العطاء والفرح فى عالم هم فيه فاعلون ومسرورون يهتدون فى رحلتهم الصعبة بهذا النور الداخلي ، وبالثراء الإنساني الذي يتكشف لهم ، وللجمهور العام فى الملمات والأحداث الكبيرة والفاصلة فى حياة البلاد .
وبوسعنا أن ندرج رؤية عطيات للعالم ، ونظرتها التي برزت فى كل أفلامها واحدا بعد الآخر ، فى هذا الإطار الواسع للنضال المضاد لهيمنة أصحاب الثروة والسلطة ، الذين يحتقرون الشعب ويخافونه فى ذات الوقت ، كما أنه يسفر عن إضاءة كاشفة للتأثير الذي يمكن أن يمارسه المثقفون الملتزمون أصحاب الرسالة من خلال أفكار يمكنها عادة إضاءة الواقع الاجتماعي الاقتصادي السياسي من مناطق قد لا تخطر على بال المشاهدين وهي تكشف لنا عن طبيعة المسار فى عالم يتغير كل يوم ، بل قل كل ساعة ، وفى القلب من تجليات هذا التغير ضغوط المقهورين الشقيانين التي يمارسونها من أسفل كأنهم يتنفسون ، وقد علمنا التاريخ أن مثل هذه الضغوط حين تتراكم وتنضج تؤدي حتماً إلى انتفاضات شاملة ثم ثورات على غرار ما حدث فى مصر على امتداد العصر الحديث وصولا إلى يناير 2011 ثم إلى الثلاثين من يونيه 2013.
يشكل إنتاج “ عطيات الأبنودي “ وسيرتها شأنها شأن عشرات من المبدعات والمبدعين غير المعروفين رد اعتبار موضوعي لمفهوم الإلتزام ، ويزيل التناقض المفتعل والزائف بين فنية الفن والرسالة التقدمية التغييرية التي يتوخي الفنانون الوصول بها إلى وجدان البشر وعقولهم ، وكلهم أمل أن يضيئوا النفق المظلم .
وتلعب السينما التسجيلية التي جرى حصارها وتهميشها دورا أساسياً كأداة معرفية وتثقيفية بالغة الأهمية ، لو أن هناك سلطة وإدارة معنيتان بالمعرفة والتثقيف ، وحريصتان على الارتقاء بوعي الجمهور النقدي ، وهذا افتراض بعيد المنال إذ تنخرط المؤسسات القائمة على الوعي وتسطيحه دفاعا عن مصالح غير مشروعة ، وتكريسا للوضع القائم الذي طالما فضحه الوعي النقدي لدى الجمهور الواسع إن تمكن هذا الجمهور من تكوين مثل هذا الوعي وتملك أدواته المعرفية عبر الثقافة والتعليم والفن والحريات العامة ، والحياة الثقافية والسياسية النشيطة ، وقد علمتنا التجربة أنه لا سياسة جادة دون ثقافة حقيقية .
السينما سلاح أمضى من أسلحة العسكر ، وتمتاز السينما التسجيلية فى إطار هذا الفن الجميل بقوة إضافية حين تتوجه إلى الواقع مباشرة دون توسط من الخيال ، ويستطيع الفنان المبتكر صاحب الرسالة أن يحفر عميقا فى صخور هذا الواقع وفى ترابه ليضئ لنا العلاقات الاجتماعية والإنسانية ، التي يتحرك هذا الواقع فى إطارها ، وأبطاله هم دائماً بشر حقيقيون تتجلى مهارة الفنان وقدرته فى جعلهم يفصحون عن مكنوناتهم الحقيقية أحلامهم وآلامهم وأشواقهم ، وهو يضع كل هذا فى الإطار الأوسع لحركة مجتمع يموج بالصراع يتوخى المقهورون ، والمهمشون فيه أن يجدوا لأنفسهم مكانا جديرا بأدوارهم وعطائهم ، وهم فى هذه الأفلام يخرجون على الصمت المطبق فى عالم بلا قلب يفتقر إلى العدالة والرحمة .
ويتحمل السينمائيون جزءًا من المسئولية عن تهميش السينما التسجيلية ، صحيح أن المؤسسات الرسمية التعليمية والتثقيفية لعبت الدور الرئيس فى عملية التهميش تلك ، لكن يبقى دائما أن السينمائيين مسئولون بدورهم عن تدهور العلاقات فيما بينهم الناتج عن منافسات صغيرة على مساحة ضيقة تزداد ضيقا بالقيود على الحريات وشح التمويل الحكومي وانعدامه أحيانا ، وهو الوضع الذي دفع بالعديد منهم ، وبينهم “ عطيات “ إلى البحث أفراداً عن تمويل خارجي ، ليصبح مثل هذا التمويل فيما بعد سبة .
ونستطيع أن نسجل فى هذا السياق أن خطة تسطيح الوعي والثقافة ، وإغراق المجتمع فى المتع التافهة والرخيصة أحياناً ، ابتغاء تجنب الوعي النقدي ، وتكريس الحلول الفردية قد نجحت إلى حد كبيرفى إهدار طاقات ، وتبديد إمكانيات ، فانسحب من انسحب من السينمائيين ، ومات من مات كمداً لتتعطل مسيرة تطور السينما المصرية التي كانت قد بدأت فى نهاية القرن التاسع عشر تقريبا مع بداية انطلاق السينما فى العالم .
وطغى هوس المهرجانات ذات الحصاد القليل على مهمة تطوير الإنتاج ورعاية المواهب الجديدة ، وترحل “ عطيات الأبنودي “ دون أن يتاح لها أن تصل بفنها الجميل الصافى إلى جمهور كرة القدم الذي حلم الشاعر والمسرحي الألماني “ برتولد بريخت “ أن يصل بشعره ومسرحه له .
ومع ذلك لن نسمح أبداً بوأد أحلامنا ، فوداعاً عطيات الأبنودي .

التعليقات متوقفه

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More

Privacy & Cookies Policy