ضد التيار: من يضمد جروح الكرامة العربية من سوقية ترامب؟

156

يجمع معظم المحللين للخطاب الشعبوى للرئيس الأمريكى ترامب أنه مجرد جعجعة صوتية، وزوبعة فى فنجان يخاطب بها ناخبيه، ويدعم من خلاله الحملة الراهنة لانتخابات التجديد النصفى للكونجرس الأمريكى التى ستجرى بعد عدة اسابيع، فى مواجهة خشيته من فوز الحزب الديموقراطى بها، وهو فى حال حدوثه سيجعل تمكنه من الإفلات من التهم الموجهة له بالتحرش الجنسى، والتهرب الضريبى،والدعم الروسى لصالح حملته فى الانتخابات الرئاسية،أمر صعب المنال.لكن هذا التحليل يتغاضى عن الآثار الخطرة لمثل ذلك النوع من الخطاب السوقى غير المسبوق على العلاقات بين الدول، وعلى التوازن المنشود فى النظام السياسى العالمى، وعلى زيادة حدة التوتر فى منطقتنا العربية على وجه الخصوص.
عصف ترامب بالحقوق الفلسطينية بنقل سفارته إلى القدس والاعتراف بها عاصمة أبدية لإسرائيل، وقدم دعما ماليا مؤخرا غير مسبوق لحكومة اليمين الإسرائيلى بلغ 38مليار دولار، وتبني الرؤية الإسرائيلية لطى صفحة حل الدولتين متجاهلا كل قرارا ت الأمم المتحدة بشأن اللاجئين والاستيطان،وقضايا الحل النهائى. فعل كل هذا وهو لايبالى برد الفعل العربى الغاضب على قرارته، والتى ساهمت فى تراجع الدور الأمريكى فى منطقة الشرق الأوسط، حيث ينهض بسياسة ترغب فى إعادة تشكيل المنطقة على مقاس المصالح الإسرائيلية.وبرغم أن واشنطن لم تعد فى حاجة إلى النفط والطاقة من منطقة الخليج، فلم تكف عن ممارسة الضغط على دوله، وفى القلب منها السعودية لخفض أسعار النفط، وتهديدها بتصريحه السوقى المفعم بالعدوانية والرغبة فى التشفى، بمطالبتها بدفع ثمن الحماية التى توفرها له الولايات المتحدة، والتى لا يستطيع نظامها البقاء والاستمرار دونها، وهى هجمة تعاقب السعودية على تحالفها مع روسيا لضبط أسواق النفط العالمية، وعزوفها عن القبول بما يسميه ترامب صفقة القرن!
لايصلح تبريرا لتجاهل هذا اللون من العدوان اللفظى الغليظ والخارج عن الأعراف الدبلوماسية، القول بأنه أمتد ليطول معظم دول العالم فى معسكرى أصدقاء وخصوم واشنطن لأن الدول الغربية تعيد النظر فى تحالفاتها لمواجهة حرب ترامب التجارية من ناحية، وتنصله من الاتفاقيات الدولية من ناحية ثانية،فضلا عن أن التجاهل يغرى بالتمادى فى العنجهية والغطرسة و العدوان.
دفعتنى حالة ترامب الراهنة التى “تلوش “ فى كل إتجاه،إلى تذكر الرواية التى أوردها أحمد بهاء الدين فى كتابه “ محاوراتى مع السادات”. قال بهاء إن الرئيس السادات كان يحدثه عام 1974 عن أن شاه إيران هو مثله الأعلى من بين زعماء العالم،وقدم السادات تبريرا لذلك قائلا لبهاء بالنص :زعماء عدم الانحياز بتوعك ملأوا الدنيا ضجيجا منذ سنوات، نهرو ونكروما وسكارنو وحتى عبد الناصر..وتيتو..أين هم الآن ؟ راحوا فين ؟اللى مات واللى اتهزم،واللى راح فى انقلاب، واحد فقط من هذا الجيل.. باق على مقعده بكل هيلمانه، والدنيا تسعى إليه هو شاه إيران..والسبب بسيط..كل هؤلاء تصوروا أن فى العالم قوتين عظميين هما روسيا وأمريكا، وحاولوا يتعملوا معهما على قدم المساواة. والحقيقة غير ذلك تماما، فهناك دولة عظمى واحدة هى أمريكا، وروسيا ليست دولة عظمى ثانية، إنها تأتى بعد أمريكا بعشرين درجة. وكان شاه إيران هو الوحيد الذى أدرك هذه الحقيقة، قام عمل أيه؟ قعد على حجر أمريكا، ومسك فى هدومها، وأديك شايف، كل صحابك راحوا، والشاه عملتله أمريكا كل اللى هو عايزه، قامت ثورة وهرب إلى إيطاليا، والأمريكيون جابوه ورجعوه وقعدوه على العرش لحد دلوقت.
ورغم أن السادات شاهد بنفسه سقوط نظام الشاه عام 1979، وتخلى واشنطن عنه ورفض استقباله، ظل متمسكا بأن القوة العظمى الوحيدة فى العالم هى أمريكا، وأن 99%من اوراق اللعب فى الساحة الدولية بيدها.
وما سبق يستدعى التعلم من تجارب التاريخ القريبة والمعاصرة، فالدور الدولى لأمريكا يتراجع بشهادة حلفائها الأوروبيين وتوسيع نطاق التحالف العربى مع القوى الدولية الأخرى الناهضة فى العالم مثل روسيا والصين والهند،من شأنه،أن يغير من معادلة السادات السابقة، وهو أبسط رد على سوقية ترامب، الذى لا يأبه بجرح الكرامة العربية، التى باتت تنتظر من قادة المنطقة من يضمد جروحها.

التعليقات متوقفه

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More

Privacy & Cookies Policy