حسين عبدالرازق يكتب : الشرطة.. ظالمة ومظلومة

54

وزارة الداخلية هي واحدة من أربع وزارات يطلق عليها «وزارات سيادية»، أي تخضع مباشرة لرئيس الجمهورية ويختار هو وزيرها، وليس لرئيس الوزراء عادة أي هيمنة علي وزراء الوزارات السيادية فعلاقتهم مباشرة برئيس الجمهورية ويقدمون تقاريرهم إليه ويتلقون تعليماتهم منه، حتي وإن خضعوا شكلا لرئيس مجلس الوزراء، وحضروا اجتماعات مجلس الوزراء كغيرهم من الوزراء.

تأسيسا علي هذه الحقيقة فأي ممارسات للشرطة – ورغم مسئولية وزير الداخلية المباشرة عنها – يتحمل مسئوليتها في النهاية رئيس الجمهورية.

وتولي وزارة الداخلية قبل ثورة 23 يوليو 1952 وبعد الثورة في ظل جمال عبدالناصر والسادات ومبارك وبعد ثورة 25 يناير، عدد من ضباط الشرطة وضباط القوات المسلحة ومدني واحد تركوا آثارا مهمة في تاريخ الشرطة.. منهم فؤاد سراج الدين سكرتير عام حزب الوفد «قبل الثورة» وجمال عبدالناصر وزكريا محيي الدين (أعضاء مجلس قيادة ثورة 1952) وممدوح سالم «والذي تولي رئاسة مجلس الوزراء في عهد الرئيس السادات، وهو أول ضابط شرطة يتولي هذا المنصب» واللواء أحمد رشدي الذي حظي بتقدير واسع وغير مسبوق خلال فترة توليه الوزارة من 1984 وحتي 1986 وأثار تركه لمنصبه مستقيلا بعد تمرد قوات الأمن المركزي أسف الرأي العام لنجاحه في تحقيق الانضباط في الشارع المصري وخوضه معارك ناجحة ضد إمبراطورية تجار المخدرات، واعتباره أمن المواطن وليس أمن الحاكم واجبه الأول.

وتاريخ الشرطة المصرية يحمل صفحات سوداء كثيرة وصفحات بيضاء كثيرة أيضا.

ومازالت الذاكرة تعني إضراب الشرطة في أكتوبر 1947 ثم في 15 أبريل 1948 وتضامن الطلبة والعمال وتظاهرهم تأييدا لإضراب الشرطة، وسقوط 50 شهيدا وثمانين جريحا من ضباط وجنود الشرطة يوم 25 يناير 1952 بعد إطلاق قوات الاحتلال البريطاني نيران مدافعها لمدة 6 ساعات علي قوات الشرطة بمدينة الإسماعيلية بعد رفضهم تسليم أسلحتهم للقوات البريطانية والانسحاب للقاهرة.. إلخ.

بالمقابل فالذاكرة تعي أيضا عدوان الشرطة علي الحريات العامة وحقوق الإنسان وارتكابها جرائم التعذيب في العهود المختلفة، خاصة أعوام 1948 – قبل الثورة – وأعوام 1954 و1959 و1965 وسقوط أكثر من قتيل من ضحايا التعذيب من الإخوان المسلمين والشيوعيين منهم «شهدي عطية ومحمد عثمان ولويس إسحاق وإسماعيل الفيومي ومحمد عودا..» وأصبح التعذيب في عهد الرئيس السابق حسني مبارك سياسة منهجية معتمدة للحكم أعوام 1981 و1987 و1989 و1990 وطوال التسعينيات وحتي نهاية حكمه.

وبالطبع لم تكن أجهزة الشرطة كلها متورطة في هذه الجريمة – وجريمة التنصت علي المواطنين واعتقال الخصوم السياسيين للحكم وملاحقتهم – وإنما مارست أجهزة محددة هذه الجريمة، خاصة جهاز الأمن السياسي، سواء عندما كان يسمي القلم السياسي والقسم المخصوص أو المباحث العامة أو مباحث أمن الدولة، وكذلك بعض ضباط السجون والمعتقلات، ولعبت بلوكات النظام في الماضي وقوات الأمن المركزي منذ إنشائه وحتي الآن دورا رئيسيا في قمع المظاهرات والوقفات الاحتجاجية.

ومنذ قيام ثورة 25 يناير 2011 والدور الذي لعبته الشرطة ضد الانتفاضة والثورة في الأيام الأولي ومسئوليتها عن سقوط 846 شهيدا وأكثر من 7 آلاف جريح وهروب 23 ألف سجين، وانسحابها واختفائها بمجرد نزول القوات المسلحة للشوارع والميادين واستمرار غياب الشرطة التام فترة طويلة وما أدي إليه من غياب الأمن، ثم عودتها التدريجية وإن بدا للرأي العام لفترة ليست قصيرة أنها في حالة إضراب غير معلن عن العمل.. وهناك انقسام في المجتمع حول تقييم دور الشرطة والموقف منها.

لقد قدمت الشرطة خلال عامين من الثورة 170 شهيدا و5 آلاف مصاب، وواجهت عددا من الظواهر السلبية بشجاعة وقوة رغم الهجوم عليها والحملة ضدها وتحميلها مسئولية كل جرائم النظام.

> أول هذه الظواهر هو شيوع العنف في المجتمع بصورة غير مسبوقة.

> تدفق الأسلحة المهربة من خارج مصر وانتشارها في أيدي المواطنين، وتم تهريب السلاح إلي مصر خلال عامين من الحدود الغربية التي تحولت إلي مسرح كبير لممارسة عمليات تهريب السلاح والمتفجرات و«المخدرات» عبر 29 ألف «مدق» وطريق فرعي في الصحراء يستخدمها المهربون في عمليات جلب السلاح والمواد المتفجرة من المدن الليبية المختلفة بعدما تعرضت مخازن أسلحة الجيش الليبي لعمليات سلب واسعة النطاق عقب سقوط نظام القذافي، والتقدير الأولي لكميات السلاح التي تم تهريبها إلي مصر يتعدي عشرة ملايين قطعة تنوعت من البنادق الكلاشينكوف والرشاشات الخفيفة والطبنجات من طرازات مختلفة إلي الأسلحة الثقيلة من مدافع ثقيلة وصواريخ ورشاشات متوسطة «جرينوف».

> انتشار البلطجة والبلطجية وتضخم هذه الظاهرة والتي تمت قبل الثورة في كنف الحزب الوطني ووزارة الداخلية وجري استخدامها لصالحها النظام الحاكم وحزبه في الانتخابات والتصدي للمظاهرات والإضرابات العمالية والوقفات الاحتجاجية، ولعب البلطجية دورا رئيسيا في اقتحام أقسام الشرطة بعد الثورة وحرقها وسرقة ما بها من سلاح استخدموه في إشاعة الرعب في البلاد في الأيام الأولي للثورة، وتقدر بعض التقارير عدد البلطجية في مصر بنصف مليون بلطجي.

> وجود ميليشيات تابعة للحزب الحاكم «جماعة الإخوان المسلمين» وظهورها بشكل سافر في أحداث الاتحادية، وحملات الهجوم علي الشرطة من الإخوان وحازم أبوإسماعيل وهشام قنديل!

ورغم هذه الظواهر السلبية فقد حاول أربعة من وزراء الداخلية منذ إزاحة اللواء حبيب العادلي تصحيح أوضاع الشرطة ودورها، ومواجهة التحديات الصعبة التي فرضت عليها، سواء خلال فترة اللواء منصور العيسوي أو اللواء محمد إبراهيم يوسف أو اللواء أحمد جمال الدين أو اللواء محمد إبراهيم نجيب، وجميعهم أتوا من خارج جهاز مباحث أمن الدولة الذي كان وزراء الداخلية في عهد مبارك يأتون منه.. ورغم أنهم لا يقضون في المنصب الوزاري إلا فترة قليلة نتيجة ضغوط سياسية من الإخوان أو السلفيين!

لقد بدأ اللواء محمد إبراهيم يوسف عملية تغيير عقيدة الشرطة من توفير أمن الحاكم والحكومة، إلي توفير أمن المواطن وحياته والدفاع عن أمن الوطن ومنشآته العامة والبحث عن الاستقرار، وتمت إقالته خضوعا لرغبة جماعة الإخوان!

وواصل اللواء أحمد جمال الدين سياسة سلفه وسعي لحماية جهاز الشرطة من محاولات الأخونة باسم التطهير تارة وإعادة الهيكلة تارة أخري، وإقامة جسور بين الشرطة والمواطنين ودفع كبار الضباط لترك مكاتبهم والانتشار في الشارع، وحقق نتائج معقولة خلال 4 أشهر مضاها في الوزارة، وواجه خلالها تحديات صعبة مثل أحداث السفارة الأمريكية وحصار مدينة الإنتاج الإعلامي وأحداث الاتحادية وضبط الحارس الشخصي للشاطر يحمل سلاحا بدون ترخيص وضغوط الإخوان للحصول علي تصريح بحمل السلاح لـ 700 من كوادرهم ومطالبة الشرطة بحماية مقارهم، وخلال هذه الأحداث كلها رفض تورط الشرطة في إطلاق النار أو تلفيق التحريات، ونجح مع الفريق السيسي في ضبط العلاقة بين الشرطة والقوات المسلحة بعد وقوع ثلاثة مصادمات بينهما.

ولهذه الأسباب نفسها أطاحت جماعة الإخوان به وجاء اللواء محمد إبراهيم نجيب ليؤكد في تصريحاته الحرص علي نفس المنهج والسياسات، وسيواجه الاختبار الحقيقي يوم 25 يناير القادم في الذكري الثانية للثورة والذكري الـ 57 لصمود الشرطة في الإسماعيلية «عيد الشرطة» والحكم في قضية شهداء الألتراس في بورسعيد يوم 26 يناير، لنري هل تتطابق الأفعال مع الأقوال؟

وكل عيد شرطة ومصر بخير وشرطتها في خدمة المواطن والوطن.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق