كان قسم أدب مسرح فى أكاديمية الفنون حيث كنت أدرس، هو المكان الذى منحنى الفرصة لكى أطل عن قرب، على كيفية إدارة بعض المؤسسات الثقافية التى أنشأتها ثورة يوليو. كان معهد المسرح آنذاك يضم ثلاثة أقسام أدب مسرح وديكور وتمثيل . وبجواره يطل عليه معهدا الكونسيرفتوار والباليه . وفى خارجها تقام قاعة سيد درويش، التى كانت قد أنشئت قبل التحاقى بالمعهد بعام، فى مايو 1967، وتمكنتُ وعدد من طلاب الأكاديمية من حضور حفل بها عام 1969 لفرقة الموسيقى العربية بقيادة “عبد الحليم نويرة” حضرته أم كلثوم، التى كانت الفرقة تحتفل بعيد ميلادها. كانت تلك هى المرة الأولى التى نلتقى بأم كلثوم وجها لوجه، فتوقفت هنيهة لتبادلنا الفرح بتلك الصدفة الجميلة، وترد على تصفيقنا لها، دون اتفاق سابق بيننا وهى تستعد للخروج من القاعة، بابتسامة عريضة تعلو وجهها، قبل أن ترفع يدها محيية بحماس غامر، وهى تغادر المكان.
كان وزير الثقافة الدكتور “ثروت عكاشة “، أحد كبار بنائى مشروع يوليو الثقافى، قد منح طلاب الأكاديمية كارنيها يبقى ساريا طوال السنوات الأربع الدراسية، يسمح لهم بدخول مسارح الدولة ومتاحفها وقاعتها الفنية مجانا، بهدف تعليمى وتثقيفى واضح، هو صقل معارفهم الفنية، بالتعرف بيسر وسهولة على محتلف الفنون، وإدراك مدى تلازمها وتداخلها وترابطها، دون أن تحرمهم أوضاعهم الاجتماعية المتواضعة والمالية المحدودة من ذلك. فمعظم الطلاب فى تلك المعاهد، كانوا ينتمون إلى فئات اجتماعية فقيرة ومتوسطة، وكانوا يشكلون خليطا من أحياء القاهرة الشعبية وأبناء الريف والصعيد، كان بعضهم تطأ أقدامه القاهرة للمرة الأولى. وكثيرون منهم يملأون الآن جميع الساحات الفنية والثقافية بإبداعهم ومواهبهم وجهودهم الخلاقة، سواء الإدارية أو الإبداعية.
قبل هذا الموعد بأربع سنوات كان أخى الأوسط وعدد من أوائل الدفعة الأولى من معهد السينما، يطيرون إلى الولايات المتحدة الأمريكية، فى منح، لدراسة الإخراج السينمائى. وهو الأمر نفسه الذى طبق على أوائل الدفعات فى معاهد الأكاديمية الأخرى للسفر فى منح دراسية إلى الدول الغربية والاتحاد السوفيتى لدراسة فنون الأوبرا والباليه والموسيقى الكلاسيكية، على نفقة الدولة وبرعايتها. كانت واحدة من أحلام الزعيم “جمال عبد الناصر”، بجانب أن يختفى من طعام عمال التراحيل أكل المش والبصل، أن تصبح الثقافة والفنون الراقية متاحة للجماهير العريضة من المصريين.
كانت نشرة الاشتراكى الناطقة باسم أمانة الدعوة والفكر فى الاتحاد الاشتراكى، التنظيم السياسى الثالث لثورة يوليو، بعد هيئة التحرير والاتحاد القومى، قد نشرت فى عددها الصادر فى 13 يوليو 1965 اقتراحا للمناقشة، يدعو المثقفين للعمل وفق برنامج عمل تقترحه عليهم، ينطوى على عدد من المبادئ قدمها الاقتراح للنهوض بالحالة الثقافية، كان من أهمها المبدأ الذى يطالب باعتبار الثقافة خدمة لا سلعة تسهدف جنى الأرباح. وهو اقتراح حين يأتى فى هذا السياق، فهو تأكيد للمثقفين أنفسهم أن الدولة ملتزمة أمامهم وأمام المجتمع بتنفيذه، من خلال المؤسسات الثقافية المتطورة التى كانت قد أنشأتها. ففى عام 1956 أنشأت المجلس الأعلى لرعاية الفنون والأداب والعلوم الاجتماعية. وبعد ذلك بعامين أنشأت وزارة الثقافة. وتلى ذلك إنشاء مؤسسات القطاع العام فى المسرح والسينما والنشر، التى لا تزال منتجاتها حية باقية حتى اليوم .
كان الرئيس “جمال عبد الناصر “أكثر أعضاء مجلس قيادة الثورة ثقافة، وتفهما للواقع الحزبى الهش الذى كان سائدا فى مصر الملكية، الذى أنهكه التسابق والصراع على تشكيل الحكومات المتعاقبة، وانتخاب البرلمانات التى يسيطر عليها كبار ملاك الأراضى، وأثرياء الطبقة العليا فى المجتمع، للحفاظ على مصالحهم السياسية والاقتصادية. ولهذا لم يكن صدفة أن يكون قرار حل الأحزاب فى الأشهر الأولى من اندلاع ثورة يوليو، فى يناير 1953، ليصبح بمثابة إعلان من الثورة، بإفلاس النظام النيابى فى العهد الملكى، وفشل النظام الديمقراطى الليبرالى، الذى جسده دستور 1923 فى بناء مؤسسات الدولة وتحقيق العدالة الاجتماعية التى تصون حقوق غالبية المصريين الاقتصادية والسياسية.
قبل الثورة، كان عبد الناصر فى السابعة عشرة من عمره، حين شارك مع مئات الآلاف من المتظاهرين المصريين، الذين خرجوا إلى الشوارع فى عام 1935، الذى ارتكبت خلاله مجزرة كوبرى عباس، للاحتجاج على تصريح وزير الخارجية البريطانى “صمويل هور”. كان هور قد أعلن، أن موقع مصر الجغرافى سوف يربطها إلى الأبد بالإمبراطورية البريطانية، لأنه يقع فى طريق المواصلات الذى تستخدمه الإمبراطورية، وهو ما كان يعنى استمرار الاحتلال البريطانى لمصر. أكد هذا المعنى حالة التعثر التى كانت تمضى بها المفاوضات الرامية لإنهائه، منذ الاستقلال الشكلى الذى أباحه تصريح 28 فبراير عام 1922. واجه عبد الناصر مع جيله من الشباب غطرسة قادة الاحتلال، وخرج من تلك المظاهرات بجرح دامٍ.
وبعد ذلك بسنوات، كرر المعنى نفسه أمين عثمان، وزير المالية السابق، لأكثر من مرة، والصديق المقرب إلى بريطانيا ومندوبها السامى فى مصر “مايلز لامبسون”، حين شبه العلاقة بين بريطانيا ومصر بالزواج الكاثوليكى، الذى لا يسمح أبدا بالطلاق. وكما هو معروف فقد اتهم الرئيس السادات بالمشاركة مع آخرين فى قضية اغتياله عام 1946. لم يكن السادات قد تجاوز السادسة والعشرين من عمره حين سُجن وحُوكِم فى تلك القضية. تلك تجارب رسخت لدى قادة الثورة فكرة أن الاستقلال الوطنى يظل منقوصًا ما لم يرتبط بوعى المواطنين، الذى يتعزز بأنظمة تعليميَّة وثقافيَّة مترابطة، وقدرة الأنظمة التنفيذيَّة الكُفؤة والمُتراكمة على تحقيق مطالبهم ونيل رضائهم.
ظلَّ “جمال عبد الناصر” متمسكًا بحُلمهِ، أن يختفى من طعام عمال التراحيل أكل المش والبصل، وأن تختفى الخادمات من البيوت، وأن تصبح الثقافة والفنون الراقية خدمة غير مدفوعة الأجر لعموم الجماهير المصرية.
ولهذا لم يكن غريبًا أن يدرك عبد الناصر منذ اليوم الأول لقيام الثورة، أنها لن يكون بمقدورها تعزيز سلطتها، والمُضى قدمًا لإحداث تغييرات جذرية فى المجتمع المصرى والعمل على كافة الجبهات لإصلاحه، دون رؤية ثقافية واضحة الملامح، محددة الأهداف، تسعى للارتقاء بوعى المجتمع، وتبشر بقيم ومبادئ النظام الجمهورى الوليد، وتحفز المواطنين والقوى الاجتماعية، لا سيما، الطبقة المتوسطة، التى فتحت لها الثورة الباب واسعًا للصعود الاجتماعى، ولتقلد مسئوليات تنفيذية فى مراكز السلطة بها، على المساهمة فى بناء تطوره ونهوضه وتقدمه.
وفى هذا الإطار جاء قرار إنشاء هيئة الثقافة الجماهيرية، التى أضاءت ظلام قرى الريف المصرى فى ستينيات القرن الماضى، بالفنون الراقية التى شارك فى صنعها وتقديمها، مواهب إبداعية لأبناء الأقاليم فى شتى المجالات، كما ساهمت بدورها فى تقديم مبدعى الأقاليم والدفع بهم إلى المجال العام. كان الهدف الذى كان يصبو إليه مؤسس الثقافة الجماهيرية الدكتور ثروت عكاشة، هو تحقيق العدالة الثقافية، كجزء لا يتجزأ من مبدأ العدالة الاجتماعية، التى اتخذتها ثورة يوليو، هدفًا أساسيًّا من أهدافها الكبرى، التى تجاوزت نطاقها المحلى، إلى النطاق العالمى، حين باتت أهدافها نموذجًا لحرية القرار السيىاسى، وسندًا لحركات التحرر الوطنى فى المنطقة ودول قارات آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية.
كان عبد الناصر هو صاحب فكرة إنشاء الثقافة الجماهيرية، فى عواصم محافظات الجمهورية. أكد ذلك الدكتور ثروت عكاشة فى كتابه “مذكراتى فى السياسة والثقافة”. ويذكر عكاشة فى كتابه، أن عبد الناصر حين أسند إليه تولى وزارة الثقافة عام 1958، قال له إنه يريد أن تصبح الثقافة والفنون الراقية فى متناول الجموع من الجماهير الغفيرة، فى كل القرى والكفور والنجوع المحرومة منها. كان عبد الناصر يمتلك رؤية ثاقبة تصلح لكل زمان ومكان. كان يقول إن بناء آلاف المصانع أمر يهون، بجانب السعى لبناء الإنسان. وبطبيعة الحال، فإن بناء الإنسان المتعلم جيدًا، والمتحلى بالوعى، لا يثمر دون التثقيف الذى يُعد جهدًا ذاتيًّا للأفراد فى المقام الأول. لكن الارتقاء بالذوق الفنى والحس السليم وتنمية الوعى، وترسيخ الانتماء الوطنى، والسعى الجاد إلى تشكيل التوجهات الأخلاقيَّة لسلوك الأفراد، يساهم فى تشكيلها الواقع الاجتماعى السائد، بما يوفره من مناخ ثقافى وفكرى جاد ومتنوع الثراء، ينشد الوصول إلى ذلك.
وفى ستينيات القرن الماضى، أرسى بناءان عظيمان هما: “سعد كامل” و “سعد الدين وهبة” قواعد نهضة وفاعلية جهاز الثقافة الجماهيرية، واللذان توليا رئاسته تباعًا. وصدر كلاهما للعمل والإدارة فى أنشطة الهيئة فى كل عواصم الجمهورية، كوادر ثقافية من فنانين تشكيليين وكتاب مسرحيين وأدباء ومبدعين ومثقفين، يؤمنون بالدور الثقافى الاجتماعى والسياسى لجهاز الثقافة الجماهيرية. فضلا عن فتح المجال لتدريب وصناعة الكوادر الثقافية، سواء فى الداخل أو الخارج، عبر البعثات الدراسية للتعلم من التجارب الدولية الناجحة فى هذا المجال، وبالذات فى دول المجموعة الاشتراكية.
ولعبت القوافل الثقافية التى تشكلت من فرق موسيقية وغنائية وتراثية ومسرحية لتجوب بقيادة كتاب ومثقفين قرى الريف المصرى، دورًا فى جسر الهوة بين الريف والمركز، وفتحت المجال للتفاعل بين مختلف فنون الإبداع، وبين مثقفى الأطراف والمراكز، وكشفت عن أجيال من المبدعين من أبناء القرى والأقاليم من مختلف المحافظات، الذين غدا كثيرون منهم، قادة ثقافيين، وكوادر ثقافية تعمل وتنتج وتدرب لتفسح المجال لأجيال تالية.
وحتى منتصف السبعينيات من القرن الماضى، ظلت الثقافة الجماهيرية، قلعة تضئ قرى الريف المصرى بالعلم والثقافة والمعرفة والفنون العصرية والتراثية. وبقيت من جهة ثانية ساحة مشرعة لورش عمل دؤوبة للكشف عن المواهب ورعايتها، وجمع التراث الشعبى من قلب قرى المحافظات من سير ولهجات وأغانٍ ومواويل وحرف يدوية وتراثية المادى، وبقيت كذلك تنفيذا لحلم قائد الثورة جمال عبد الناصر، لتحقيق العدالة الثقافية، كتفا بكتف مع العدالة الاجتماعية. وهو الهدف الذى ينتفى، إذا ما تحولت الثقافة من خدمة إلى سلعة، لا هم لها سوى الربح المادى فقط.

التعليقات متوقفه