ضد التيار ..أمينة النقاش تكتب:لم يعد العدد فى الليمون

84

 

يدهشنى الإعلام الرسمى وهو يتلون بين كل ليلة وضحاها، فيقول الكلمة وعكسها، ويبدل المواقف كما يبدل أحذيته. وعلى مدار عقود، لا يكف الإعلام المصرى عن السخرية من الحياة الحزبية وتسخيفها والتقليل من شأنها، ومن جدوى وجودها، والاستخفاف بعددها، كيفما يجرى التندر بالقول الشعبى الذائع “العدد فى الليمون ” للاستهانة بقيمتها وضعف نفوذها، تشبها بالليمون، عندما كان يباع لرخصه بالوقة وليس بالعدد، ثم يتساءل بعد ذلك عن عدد أعضائها، وهو يعلم علم اليقين، أن معظم من يتلقون كلامه هم مواطنون غير مسيسين، يكونون آراءهم مما يلقى عليهم، من ذلك الإعلام الذى تفنن فى تحذيرهم من الأحزاب، وإخافتهم حتى من المشاركة فى أنشطتها الفنية والثقافية .

لكن الحقيقة أن الإعلام الرسمى معذور ومغلوب على أمره . فالحكومة القائمة، التى لاهم له سوى الدفاع عن سياساتها وتبرير أخطائها، مثلها مثل الحكومات السابقة، تتجاهل الحياة الحزبية، حتى لو كانت نصوص الدستور تقضى بوجودها، وتصف بها النظام السياسى بأنه يقوم على التعددية الحزبية، ولا تتذكر وجودها إلا وقت المصائب والمحن . أما المدهش والجديد فى الأمر، أن الإعلام الرسمى  ظهرت عليه مؤخرا علامات الإعجاب بالحياة الحزبية، ونشط بهمة خلال الفترة الأخيرة للترويج للحزب الجديد، بوصفه يضخ دماء جديدة إليها، ويسهم فى تحريك ركودها، فسبحان من غير الأحوال !

علامات استفهام كبيرة لم يجب عنها، لا الإعلام ولا مؤسسو الحزب الجديد، وبينها أسباب ظهوره المفاجئ دون سابق إنذار، وموافقة لجنة الأحزاب على إشهاره، بمجرد أن تم الحشد لجمع توكيلاته ونشر أسماء موكليه فى الصحف القومية الكبرى بسرعة ملحوظة . وكعادته شرع الإعلام فى إلقاء الضوء على قادته، والتبشير بضرورته وأهميته، فى مسعى ُمنى بالفشل، لخلق حالة من التقبل المجتمعى، لممارسات سياسية ليست فقط غير مفهومة، بل أيضا غير مقبولة لما تنطوى، عليه من التورط فى مساندة روابط تتعارض مع نشأة وقيم الدولة الحديثة . وهو موقف يجلب الضحك الشبيه بالدموع، لتناقضه مع العداء الأصيل للإعلام الرسمى للحياة الحزبية ، ولأنه يشكل خطوة أخرى إلى الوراء، فى ساعات حرجة وحالكة السواد !

أما أخطر ما فى الموضوع ، فهو أن الحزب الجديد، الذى ينضم  لحالة حزبية أُريد لها أن تكون غير مكتملة وهشة، راح يبحث عن تشكيل عضويته من بين أعضاء الأحزاب القائمة، وإغراء من يعرض عليه منهم الانضمام إليه، بمكاسب مالية وترقيات وظيفية وترشيحات لمواقع نيابية . ومعنى ذلك أن الحالة جيم، وأن العدد لم يعد الآن فى الليمون، لاسيما بعدما بلغ سعر الكيلو منه أكثر من ثمانين جنيها. موطن الخطورة أن الحكومة تكرر أخطاء من سبقوها من حزب مصر إلى الحزب الوطنى، الذى ظل ممسكا بالسلطة، متحكما فى مفاصل الدولة بمنظومة من علاقات المصالح المتضاربة والفساد، أكثر من ثلاثين عاما، ومع ذلك لم يتمكن من حماية نفسه، وسقط  سقوطا مدويا، حين أطاحت به، عواصف الربيع العربى .

وهاهو تحالف الجناح التجارى والاستثمارى من الطبقة التى كانت تقود الحزب الوطنى، يظهر مجددا فى أحضان الدولة، مطالبا باقصائها، ومبشرا بإنهاء دورها من الحياة الاقتصادية . وهو يمضى لاسترداد أمجاده الغابرة ونفوذه الاحتكارى، الذى يتدافع بيسر وشراهة لمراكمة أرباحه الريعية. وكان نظام عبد الناصر قد نجح بعد معاناة، فى وضعه فى إطار حدوده، بعدما استعصى عليه إدماجه فى مشاريع التنمية ومواصلة مخطط الإنتاج والتصنيع ، فخرج من مكامنه لينتعش، فى دولة الانفتاح الاقتصادى. ولا بأس من تعزيز سطوته بأطر حزبية شكلية وغير فاعلة، مع أنه تحالف لا يؤمن لا بالديمقراطية ولا بمؤسسات رسمية للدولة الوطنية قادرة على الفحص والمراجعة، وعينها على خدمة مصالح الشعب والوطن.

الحالة جيم، وهى كلمة تعنى باللغة الهيروغليفية الحزن والحداد. ففى الوقت الذى ترتفع فيه الأصوات للدعوة للاصطفاف الوطنى لمواجهة أخطار محدقة بالأمن القومى للبلاد، تبدو إدارة الشأن العام، خاضعة لأهواء الارتجال والمناورة، ولترضيات تهبط به للقاع، وتقصى عن الأذهان، احتمالات تغير جوهرى فى التفكير الرسمى، تقود إلى طريق تصبح فيه المؤسسات النيابية والتشريعية القادمة، غير ما كان عليه حال سابقيها، لكى تقفز إلى واجهة المشهد كلمات الشاعر : وكم ذا بمصر من المضحكات، كما قال فيها أبو الطيب، أمور تمرْ، وعيش يِمرْ، ونحن من اللهو فى ملعب.!

التعليقات متوقفه

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More

Privacy & Cookies Policy