بين الخوف والوصم وتعقيدات الإجراءات.. لماذا تختفي جرائم العنف الرقمي ضد المراهقات قبل أن تصل إلى العدالة؟
الساعة تقترب من الواحدة صباحًا، حين وصل إلى هاتف “سلمي” اسم مستعار 17 سنة إشعار جديد: ” لو ما ردّيتيش… هبعت الصور لاهلك “..
لم تكن تلك الرسالة الأولى، فقد سبقتها عدة محادثات تليفونية ، من شخص لا تعرفه يدعي معرفته بها وأن هناك من أرسلت له صورا خاصة بها وتريد منه تهديدها وابتزازها، وأنه لن يفعل بشرط أن تقابله..
أدركت سلمى أن ما يحدث ليست مضايقة عابرة بل تهديد حقيقي ..
لم تعد جرائم العنف الرقمي ضد المراهقات مجرد وقائع فردية معزولة، بل أصبحت واحدة من أكثر أشكال العنف انتشارًا ضد الفتيات. ورغم التطور التشريعي الذي شهدته مصر خلال السنوات الأخيرة لمواجهة الجرائم الإلكترونية، فإن الطريق إلى العدالة أصبح مسارًا محفوفًا بالمخاطروأحيانًا بلا جدوى،فرغم وجود جريمة وانتهاك حقيقى لا يوجد عقوبة حيث تسقط الجريمة وتعيش الفتاة تحت وطأة التهديد خوفا من الوصم المجتمعي ولوم الأهل ..
تقول سلمى : عند تكرار الرسائل وتأكيد هذا الشخص أن لديه صور خاصة بي ..خفت أنه ينشرها أو يرسلها لأهلي وساعتها هتبقى فضيحة ، وقتها حسيت بخوف شديد، ومكنتش عارفة اتصرف ازاي ..
لم تفكر سلمى في الإبلاغ أو حتى الإفصاح لأسرتها ، قالت : كنت مرعوبة أن بابا يعرف ،ممكن يموتني من الضرب و يحرمنى اني اكمل دراستي ..وبعد تفكير طويل قررت إخبار أخيها الأكبر لفارق السن الضئيل بينهما..الذي حاول التعامل مع المبتز بشكل مباشر و سري .
ورغم أن أخاها تمكن من التصدى للمبتز ، فإن آثار التجربة لم تنته بالنسبة لسلمى. تقول : إنها توقفت لأشهر عن استخدام صفحتها على الفيس بوك و الانستجرام، وأصبحت تتجنب نشر أي صورة لها . وحتى اليوم ما زالت تشعر بالقلق كلما وصلتها رسالة من رقم مجهول، مؤكدة أن الخوف الذي عاشته خلال تلك الفترة كان أكبر من التهديد نفسه.
سلمى لم تكن الفتاة الوحيدة التي تعرضت لابتزاز إلكتروني، ولم تفكر في الإبلاغ..
مريم طالبة جامعية 20 سنة، تعرضت للتحرش عبر الانترنت تقول: وانا فى ثانوى كنت بحب اصور نفسي من وقت لآخر احتفظ بصورى على تليفونى . وفى يوم لقيت حد بعتلى رسائل على الواتساب انه معجب بيا وعايز يتعرف على وأنه شاف صورى من غير حجاب وقعد يتغزل فى شكلى..دى كانت مصيبة بالنسبة لى مين اللى شاف صورى وشافها ازاى وماما لو عرفت ممكن تقول ل بابا وخالو ..وهما ناس صعبة جدا ممكن يموتونى ..
عملت بلوك اول مرة ،لكنه استمر في إرسال رسائل من رقم تانى..وبقى يتكلم فى حاجات سافلة وكلام ميصحش وكل ما عمل بلوك يبعت من رقم جديد..ووصل أنه بقى يتصل بيا ، ويرسل رسائل sms ..بصراحة تعبت وقررت في الاخر اني اقول لماما علشان تساعدني لما قرات الرسائل..اتهمتنى انى اعرفه .. وبهدلتني علشان نشرت صور على الانستجرام رغم ان الاكونت برايفيت ، واول حاجة عملتها أنها غيرت رقم تليفونى..ومنعتنى من التصوير نهائيا أو استعمال اى تطبيق.. منعتني من التواصل مع زميلاتى..الكلام ده كان من سنتين
ورغم مرور عامين على أحداث هذه الواقعة ما زالت مريم تعيش قيودًا فرضتها عليها والدتها تقول إن علاقتها بزميلاتها أصبحت محدودة للغاية، وإنها فقدت جزءًا كبيرًا من ثقتها بنفسها بعد أن شعرت أنها عوقبت رغم كونها الضحية. وتضيف: لحد دلوقتي بحس إني بدفع تمن حاجة أنا معملتهاش، و لما دخلت الكلية ممنوع أنى اتواصل مع زميلاتي في الكلية إلا لو حاجة تخص الدراسة..
خارج الإحصاءات الرسمية
بالرغم من غياب مسح قومي شامل في مصر حول نسبة المراهقات اللاتي يتعرضن للعنف الإلكتروني، إلا أن “إيمان محمد” أخصائية اجتماعية بمؤسسة قضايا المراة أكدت أن الفتيات والمراهقات هن الأكثر عرضة لهذا النوع من الاستهداف مشيرة إلى صغر عمر الفتاة يجعلها تخشى المبتز.
وأوضحت أنهم يستقبلون مئات الحالات شهريا لفتيات ونساء تعرضن للابتزاز الإلكتروني تمثل المراهقات نسبة من 60% إلى70% من إجمالي الحالات، أغلبهن طالبات ثانوى وجامعات، يقعن ضحايا للحبيب أو الشريك السابق , وهناك من يخضعن لابتزاز شخص مجهول..
وأكدت أن 60% منهن يعانين من رهبة وخوف شديد من أهلهن .
فيما أكدت “انتصار السعيد” محامية ورئيس مؤسسة القاهرة للتنمية والقانون أن أغلب الفتيات (بنسبة تقارب 99%) يتواصلن مع المؤسسة بمفردهن دون معرفة الأهل .
وأشارت أن من بين مئات الحالات التي تستقبلها المؤسسة شهريا هناك عدد ضئيل جداً أقل من 5% فقط يشرعون في إجراءات قانونية، وغالباً ما تستغرق القضية من 3 أشهر إلى سنة كاملة للوصول إلى حكم.
واوضحت أن الفتيات فى سن المراهقه يعشن حالة من الذعر، و الخوف الأساسي ينبع من رد فعل الأسرة، خاصة في حالات العلاقات الرضائية .
أوضح محمد نديم خبير تقني ومسئول وحدة العيادة الرقمية بمؤسسة قضايا المراة إلى تطور أساليب الابتزاز لافتاً إلى وجود مافيات وعصابات تستخدم وظائف وهمية أو روابط تعليمية لاختراق الهواتف، بالإضافة إلى استغلال صور خاصة من مراكز تصليح الهواتف.
الخوف من العقاب
لخصت إيمان محمد مبررات الفتيات لعدم إبلاغ أسرهن بناء على الحالات التي تتردد على المؤسسة مشيرة إلى أن أغلب الفتيات يخشين التعرض للعنف الجسدي أو الإجراءات العقابية القاسية داخل المنزل.
وتتوقع الكثيرات ردود فعل مثل الحرمان من التعليم (الجامعة أو المدرسة)، أو سحب الهاتف ومنع التواصل مع الزملاء، وهذا يحدث بالفعل ويكون الدافع الحماية الزائدة للبنت والخوف عليها، وأحيانا تشعر البنت بأنها سوف تتسبب في إحراج لعائلتها، مما يدفعها للصمت.
وفى حالة معرفة الأهل أشارت إلى أن 99% منهم يسيطر عليهم الخوف من التوجه للإبلاغ في أقسام الشرطة .
فيما أكد محمود عبد الفتاح محامي وحقوقي أن من كل مائة سيدة تتعرض للعنف هناك 18 يقمن بالإبلاغ 17 منهن يبلغن صديقة أو أخت ، و واحدة فقط تلجأ للشرطة.
ووفقًا لدراسة أجرتها مبادرة “speak up” (مبادرة نسوية لدعم ضحايا العنف بكل أشكاله) عام 2024، فإن ثلاثة آلاف و176 حالة تعرضت للابتزاز، تبيّن أن 90 في المئة منها نساء، ولم تُقدّم منهن بلاغات رسمية سوى 10 في المئة فقط؛ بسبب عدم معرفة إمكانية الإبلاغ تارة، أو الخوف من الأهل وتبعات الإبلاغ عن المبتز تارة أخرى. وتوصلت الدراسة أيضاً إلى أن 10.3 في المئة من القاصرات، من مواليد ما بين عامي 2006 و2010، تعرضن للابتزاز.
رغم تزايد الشكاوى غير الرسمية من العنف الرقمي إلا أن هذا الحجم لا يظهر في أرقام القضايا المنظورة أمام المحاكم..
وترى إيمان محمد أن تأثير الثقافة المجتمعية والتهديدات التي قد تصل إلى حد “القتل” فى بعض المناطق الشعبية والريفية تكون أقوى من الإجراءات القانونية، مما يجعل الإبلاغ مخاطرة كبيرة، كما أن عدم وجود أخصائيين نفسيين واجتماعيين داخل أقسام الشرطة لمرافقة الضحايا، يمكن أن يزيد من توتر الفتاة أثناء الإدلاء بأقوالها، و الحالة النفسية للبنت قد تؤدي إلى نسيان تفاصيل دقيقة أثناء التحقيق، مما قد يُفهم خطأً على أنه تلاعب أو كذب، بينما هو في الحقيقة نتاج للضغط العصبي.
فيما يؤكد محمد نديم خبير تقني أن جهل الكثير من الفتيات والأهالي كيفية التعامل مع الأدلة الرقمية (مثل عدم مسح رسائل التهديد) يعد من أبرز إشكاليات الإبلاغ.
وأشار نديم أننا خلال المؤسسة نقوم بالكشف الفني على هاتف الفتاة وفحص كافة الحسابات (الأكونتات) المرتبطة بالتطبيقات المخترقة ونعمل على تأمين الحسابات من خلال إغلاق كافة الثغرات أو الحسابات التي يستخدمها المبتز للوصول إلى الضحية.
اما انتصار السعيد رئيس مؤسسة القاهرة للتنمية والقانون فتؤكد أن الفجوة الهائلة بين عدد الضحايا والبلاغات الرسمية، التى لا تتعدى حاجز 15 بلاغ شهريا من مئات الحالات التي تستقبلها المؤسسة يرجع إلى صعوبة الإثبات الرقمي حيث يقوم الجاني بحذف الحسابات، أو تغيير أنظمة التشغيل، أو كون الجريمة عابرة للحدود من خارج مصر.
وايضا طول أمد التقاضي أحيانا تستغرق القضية عاماً كاملاً للوصول إلى حكم داخل محافظة القاهرة، وهو ما لا تستطيع الضحية تحمله.
وأوضحت السعيد أن أغلب الفتيات تخشى من تسريب بياناتها فى حالة الإبلاغ ،فرغم وجود نصوص تحمي سرية البيانات، إلا أن الواقع شهد حوادث تسريب سابقة مثل قضية سفاح التجمع مما يعزز انعدام الثقة لدى الضحايا.
وبالتالي فإن الغالبية العظمى من هذه الوقائع لا تصل إلى أروقة المحاكم، وتظل حبيسة جدران الخوف والوصم المجتمعي.
نموذج إيجابي
فى الوقت الذى تخشى أغلب الأسر من الوصم المجتمعي ويرى الآباء والأمهات أن حماية البنت يكمن فى الصمت خوفا من الفضيحة نرى نموذج آخر أب يمثل الأمان والسند لابنته ويصر على فضح المبتز والتوجه للإبلاغ ولكن لنقص الأدلة تسقط القضية فى قسم الشرطة وللاسف يفلت الجاني من العقاب
يتذكر” محمد طلبة “مهندس فى مجال تقنية المعلومات والد الطفلة سيرين التى تعرضت للابتزاز الإلكتروني منذ أربع سنوات وكان عمرها 11 عام ، حيث قام أحد الشباب بتهديدها بنشر صور عارية لها مفبركة على الانترنت في حال عدم إرسالها صورها له.
لجأت سيرين لشقيقتها الكبرى (١٤ عاماً)، واتفقنا على إبلاغ الأب فورا .ويقول عندما اتصلت بى ابنتى وحكت لى المشكلة لم أعنفها أو الومها على وجود حساب لها، بل ألغيت اجتماعاتي وذهبت لها مباشره وتوليت إدارة الحساب بنفسي وتحدثت مع المبتز متقمصاً شخصية ابنتي ، ونصبت فخ له للإيقاع به ، وحاولت جذب أطراف الحديث معه وبالفعل بدأ يرسل العديد من التهديدات والصور العارية التي كان يستخدمها لمحاولة التلاعب بأعصاب الفتيات الصغيرات .
وفي تلك الأثناء قمت بتسجيل المحادثة عن طريق خاصية “سكرين فيديو” وتوجهت مباشرة إلى مباحث الإنترنت بالجيزة لتقديم البلاغ ضد مرتكب الجريمة.
وبالتعاون مع الضباط تم وضع خطة لاستدراج المبتز، لكن الأخير قام بإغلاق حساباته فجأة مما عرقل استكمال القضية وتم حفظ المحضر.
ورغم ذلك حاولت تتبع الشخص وعلمت أنه شخص يسكن في القناطر وعمره 38 سنة ورغم هذه المعلومات لم يتم محاسبته لعدم لسقوط الأدلة .
و فى مثل هذه الوقائع يرى ضرورة دعم الأهل لبناتهم وتجنب اللوم مشيرا إلى أن جملة مش قلت لك؟ قاتلة تدمر الثقة بين الأبناء والآباء وتجعل الأبناء يخفون مشاكلهم خوفاً من العتاب، وأكد أن الأمان النفسي للطفل أهم من أي قضية؛ فابنته لم تشعر بالخوف سوى نصف ساعة فقط لأنها علمت أن والدها سيحميها ولن يوبخها مشيرا إلى أن سلامة بناته النفسية أهم بكثير من تقاليد المجتمع التي وصفها بالتافهة .
لكن تجارب الفتيات اللاتي يتعرضن للعنف الرقمي ليست متشابهة و لا تسير بالوتيرة نفسها، كما أن حجم الأذى الذي تتركه الواقعة لا يرتبط فقط بطبيعة الجريمة أو التهديد، وإنما يتأثر بدرجة كبيرة برد فعل الأسرة. فالدعم الأسرى الذي حظيت به سيرين ساهم في احتواء الأزمة ومنحها شعور بالأمان، بينما تواجه فتيات أخريات اللوم أو العقاب أو التقييد، وهو ما قد يضاعف من آثار التجربة النفسية والاجتماعية. كما أن طبيعة استجابة الأسرة تتأثر بعوامل اجتماعية وثقافية وقيم سائدة داخل كل أسرة، الأمر الذي يفسر التباين الكبير بين تجارب الضحايا وقدرتهن على طلب المساعدة أو الإبلاغ أو التعافي من آثار العنف الرقمي.
مسار محفوف بالمخاطر
ورغم وجود آليات قانونية تتيح ملاحقة مرتكبي جرائم العنف الرقمي، فإن الوصول إلى هذه الحماية لا يكون سهلاً بالنسبة لجميع الضحايا. فإجراءات توثيق الأدلة، والتعامل مع جهات متعددة، ومتابعة التحقيقات لفترات طويلة، تمثل تحديات حقيقية أمام كثير من الفتيات، خاصة في ظل الضغوط النفسية والخوف من الوصم الاجتماعي. وتزداد هذه الصعوبات بالنسبة لمن يفتقرن إلى الدعم الأسري أو الموارد المادية والنفسية التي تمكنهن من الاستمرار في المسار القانوني حتى نهايته..
الفتيات التى تقرر الإبلاغ تجد أن الطريق إلى العدالة لا يزال محفوفًا بعقبات عديدة ،فتقول نهال أبو بكر محامية و خبيرة في قضايا الابتزاز الإلكتروني، أن الأزمة الحقيقية فى هذه الوقائع تبدأ من اللحظة الأولى التي تقرر فيها الضحية التوجه للإبلاغ. ففي كثير من الحالات تُفاجأ بضرورة الحضور شخصيًا لتقديم البلاغ، حتى وإن كانت قد وكلت محاميًا للتعامل مع القضية. ويضاعف هذا الشرط من العبء النفسي الواقع على الضحية، خاصة عندما تكون الواقعة مرتبطة بصور شخصية أو رسائل خاصة أو وقائع تشهير وابتزاز تمس سمعتها وحياتها الخاصة.
وتزداد التعقيدات عندما تكون الضحية قاصرًا. فالإجراءات المعتادة تشترط حضور الولي الطبيعي أو تقدمه بالبلاغ، وهو ما يخلق مأزقًا حقيقيًا إذا كان الولي نفسه رافضًا للإبلاغ خوفًا من الفضيحة المجتمعية، أو إذا كان طرفًا في الانتهاك ، وفي هذه الحالات تصبح القاصرات عالقات بين الحاجة إلى الحماية القانونية وعدم القدرة على الوصول إليها.
قد تبدو هذه العقبات أكثر تعقيدا في بعض المجتمعات الريفية أو الصغيرة، حيث تتداخل العلاقات الأسرية والاجتماعية ويعرف أفراد المجتمع بعضهم البعض عن قرب. ففي هذه البيئات لا يقتصر الخوف على الإجراءات القانونية فحسب، بل يمتد إلى تداعيات كشف تفاصيل الواقعة داخل المجتمع المحلي ، وهو ما يترتب عليه في كثير من الاحيان وصم اجتماعي أو تأثير على سمعة الأسرة وعلاقاتها الاجتماعية. وفي بعض الحالات يدفع هذا الخوف بعض الأسر إلى تجنب الإبلاغ أو التراجع عن استكمال الإجراءات القانونية رغم الحاجة إلى الحماية والدعم.
ولا تتوقف المعاناة عند تقديم البلاغ. فكثير من الضحايا يضطررن إلى إعادة سرد تفاصيل الواقعة أمام أكثر من موظف أو جهة مختصة خلال مراحل تلقي البلاغ وفحصه. وبين كل رواية وأخرى تعود مشاعر الخوف والإحراج والصدمة إلى الواجهة. بالنسبة لكثيرات لا يمثل هذا الإجراء مجرد خطوة إدارية، بل تجربة مؤلمة تدفع بعضهن إلى العدول عن استكمال الشكوى من الأساس.
وتابعت : تمثل إجراءات الفحص الفني مصدر قلق إضافي للضحايا. ففي بعض الحالات يُطلب منهن تسليم الهواتف المحمولة أو أجهزة الحاسب الشخصي” اللاب توب “لفحصها واستخراج الأدلة الرقمية. ورغم أهمية هذه الخطوة في التحقيقات، فإنها تثير مخاوف مرتبطة بالخصوصية، خاصة أن تلك الأجهزة تحتوي على صور شخصية ومحادثات خاصة وبيانات مهنية ووثائق عمل قد لا ترغب الضحية في أن يطلع عليها أي شخص،
و العقبة الأكبر من وجهة نظر نهال أبو بكر غالبًا لا تكمن في الإجراءات فقط، وإنما في طبيعة الأدلة الرقمية نفسها. فالعديد من جرائم التشهير والابتزاز تُرتكب عبر حسابات وهمية .
وتشير إلى أن بعض البلاغات تتعثر بسبب صعوبة الربط الفني بين الحساب المستخدم والشخص المسؤول عنه، وفي حالات أخرى لا تعرف الضحية هوية الجاني من الأساس، ما يجعل الوصول إليه أكثر تعقيدًا ويزيد احتمالات حفظ البلاغ لعدم كفاية الأدلة.
وأكدت نهال أبو بكر أن نسبة كبيرة من الفتيات اللاتي يبدأن إجراءات الإبلاغ لا يستكملنها حتى النهاية، بعضهن يتراجعن أثناء مرحلة تقديم البلاغ بسبب الضغوط النفسية والإجراءات المعقدة بنسبة 80% بينما تنسحب لاحقًا نحو 10% تحت ضغط الأسرة أو خوفًا من العواقب الاجتماعية المرتبطة باستمرار القضية.أما نسبة 10% فقط عن من يستكملن الإجراءات بعد أخذ وعد من المحامي ألا يتم ذكر اسم الضحية في أي تقرير يشير إليها.
وكشفت نهال عن عدم وجود بيانات رسمية تفصيلية حول أعداد بلاغات جرائم الإنترنت ونسب إحالتها إلى النيابة أو حفظها،
فلا يوجد أرقام دقيقة لعدد البلاغات التي يستقبلها الخط الساخن 108، كما أن تقارير 2023-2024 لمباحث الإنترنت أكدت بعض التقارير الإعلامية إستقبال آلاف البلاغات شهرياً على مستوى الجمهورية.
الإبلاغ غير الآمن
فيما ترى د. منى فتحي محامية وأستاذ قانون جنائي و خبيرة في الجرائم الإلكترونية، أن المراهقات يقعن غالباً في فخ الإبلاغ غير الآمن، حيث يلجأن للأصدقاء بدلاً من الأهل . وشددت د. متى فتحي على مجموعة من الخطوات الحاسمة للتعامل مع حالات الابتزاز الالكتروني منها : ضرورة الاحتفاظ بالروابط (Links) الخاصة بحسابات المبتزين، خاصة على منصة فيسبوك، وأخذ لقطات شاشة (Screenshots) وتسجيلات فيديو للأدلة وذلك لتوثيقها.
وفى حالة حذف بعض الأدلة أشارت إلى وجود آليات تقنية لدى مباحث الإنترنت والقرية الذكية تتيح استعادة الرسائل المحذوفة من خلال تطبيقات متخصصة تُفعل بناءً على طلب النيابة.
و حذرت من أن الحق في تقديم البلاغ قد يسقط إذا مر أكثر من ثلاثة أشهر من تاريخ علم الضحية بآخر واقعة تهديد.
وأوضحت ان نحو 40% من المحاضر تقريباً قد تتعرض للحفظ لعدم كفاية الأدلة أو بسبب ضغوط للتنازل خاصة في حالات القرابة
وأكدت على وجود مخرج قانوني يتمثل في تقديم تظلم للمحامى العام خلال شهرين من تاريخ حفظ المحضر لإعادة المسار القضائي للمحضر .
و أكدت خبيرة الجرائم الإلكترونية أن هناك طفرة في التعامل الأمني مع بلاغات العنف الرقمي، خاصة بعد قضية نيرة أشرف حيث أصبحت التعليمات الصادرة لمأموري الضبط القضائي تقضي بالتعامل مع كل بلاغ بجدية تامة واحترام خصوصية الضحية، مع إتاحة تتبع مسار البلاغات عبر منصة مصر الرقمية.
و استشهدت د. منى فتحي بواقعة في محافظة سوهاج، حيث صدر حكم رادع بالسجن لمدة 15 عاماً ضد شخص قام بابتزاز فتاة وطلب منفعة جنسية، مشيرة إلى أن إصرار الأهل وعدم تراجعهم كان السبب الرئيسي وراء انتزاع هذا الحكم رغم محاولات الصلح العرفي.
وانهت حديثها مؤكدة أن الوعي القانوني وعدم الخضوع للابتزاز الرقمي هما الدرع الأول لحماية الفتيات، والتمسك بالدليل الرقمي هو المفتاح الوحيد لترجمة البلاغ إلى حكم قضائي نافذ.
فيما يرى المحامي والخبير الحقوقي محمود عبد الفتاح، أن التكلفة المادية للإبلاغ بما في ذلك أتعاب التقاضي والاستشارات القانونية والإجراءات احيانا قد تدفع بعض الأسر إلى التردد في الإبلاغ عن الانتهاكات التي تتعرض لها ابنتها، وفي كثير من الحالات لا يرتبط قرار عدم الإبلاغ بغياب الرغبة في اللجوء إلى العدالة، وإنما بالعبء المالي الذي قد لا تتمكن بعض الأسر تحمله.
الصمت آلية للبقاء
فيما سلط د. جمال فرويز استشاري الطب النفسي الضوء على الأبعاد النفسية والاجتماعية التي تجعل الصمت خياراً اضطرارياً في قضايا العنف الرقمي والابتزاز الذي تتعرض له الفتيات المراهقات مؤكدا أن الفتاة التي تتعرض لابتزاز الكتروني عادة ما تلجأ إلى الصمت ،والصمت هنا ليس دائما علامة على الضعف، بل هو في كثير من الأحيان آلية بقاء تلجأ إليها المراهقة لحماية نفسها من تداعيات قد تكون مدمرة.
وأوضح أن الفتاة تخشى أن يؤدي الإفصاح إلى فضيحة أو وصمة عار تلاحقها، فتختار الصمت لتجنب ردود الفعل العنيفة من المجتمع أو الأسرة، موضحا أن الكثيرات لا يخفن من الجريمة الرقمية في حد ذاتها فحسب، بل من فقدان الأمان داخل البيت.
وأوضح د. فرويز أن أغلب المراهقات اللاتي يتعرضن للابتزاز الإلكتروني يعانين من ضغوط أسرية أو مشكلات في الثقة بالنفس ولا يملكن علاقات قوية مع صديقاتهن، فيجدن في الموبايل الصديق البديل.وهناك شباب يتصيدون هؤلاء الفتيات، وتكون طلباتهم في البداية غير طيبة ومع ذلك، تنساق بعض الفتيات ويرسلن صوراً خاصة لأن المبتز يوهمها بالحب والزواج .بعد ذلك، تبدأ المشكلة عندما يضغط المبتز بطلبات أكبر هنا تبدأ الفتاة بالخوف. لو لجأت لشخص أكبر منها (أخ، أب، عم) يوفر لها الأمان والحماية، ستدرك أن هؤلاء المبتزين “جبناء” جداً.
ويستشهد د. جمال بقصة واقعية:”بنت من مجتمع بدوي مغلق، دخلت في علاقة مع شاب من الصعيد، أرسلت له صوراً خاصة بعد أن وعدها بالزواج. عندما بدأ بتهديدها بضرورة الحضور إليه في (قنا) وإلا سيفضحها، لجأت لزوجة عمها التي أبلغتني. طلبت منها إبلاغ والدها وعمها. عندما ذهب والدها إليه وواجهه، المبتز كان مرعوب وسلّم الموبايل وهو يبكي ويطلب السماح.
و شدد فرويز على ضرورة تقرب الآباء من أبنائهم ومصادقتهم، ليكون البيت هو الملاذ الأول والآمن في حال التعرض لأي تهديد رقمي.
أزمة مخفية
تكمن خطورة العنف الرقمي ضد المراهقات في أن آثاره لا تتوقف عند حدود الجريمة الإلكترونية نفسها، بل تمتد إلى البيئة الاجتماعية المحيطة بالفتاة… هذا ما أكدته د. هند فؤاد السيد أستاذ علم الاجتماع بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية
مشيرة إلى أن سؤال : الناس هتقول ايه لو عرفوا ؟! ..يدفع كثيرً من المراهقات إلى الصمت، ويحوّل العنف الرقمي من جريمة يمكن مواجهتها إلى أزمة نفسية واجتماعية مخفية.
وأضافت د. هند فؤاد أن مرحلة المراهقة تعد أكثر المراحل حساسية في تشكيل الهوية الاجتماعية والشعور بالقبول والانتماء، لذلك فإن التهديد بالتشهير أو نشر الصور والمعلومات الشخصية قد يترك آثارًا نفسية واجتماعية عميقة. كما أن الخوف من الوصم الاجتماعي يدفع بعض الفتيات إلى الصمت وعدم طلب المساعدة، بينما تلجأ بعض الأسر إلى إخفاء الواقعة خشية كلام الناس أو حفاظًا على السمعة الاجتماعية، والقلق من تأثير القضية على فرص الزواج مستقبلًا، و الاعتقاد بأن اللجوء للقانون سيزيد المشكلة انتشارًا،
وتؤكد أن استمرار ثقافة لوم الضحية يمثل أحد أكبر العوائق أمام الإبلاغ عن جرائم العنف الرقمي، لأن التركيز ينصرف أحيانًا إلى سلوك الفتاة واستخدامها للإنترنت بدلاً من مساءلة الجاني عن الفعل الإجرامي الذي ارتكبه. وهذا يخلق بيئة تشجع على الصمت وتحد من فرص الوصول إلى العدالة.
وأوضحت في بعض البيئات، تنظر الأسرة إلى القضية باعتبارها تهديدًا لسمعتها الجماعية، وليس اعتداءً على ابنتها فقط، كما يميز المجتمع فى تعامله مع مثل هذه الظواهر بين الذكور والإناث، فقد يتسامح المجتمع في كثير من الأحيان مع أخطاء الذكور الرقمية بدرجة أكبر، بينما يفرض رقابة أخلاقية أشد على الفتيات، لذلك تتعرض المراهقات لضغوط مضاعفة، لأن القضية لا تقرأ فقط كجريمة إلكترونية، بل كمسألة مرتبطة بالسمعة والشرف .
وأكدت أن قلة الخبرة الرقمية والعاطفية تجعل بعض المراهقات أكثر عرضة للاستدراج أو التلاعب النفسي عبر الإنترنت من النساء البالغات، ما يزيد شعورهن بالذنب والخوف.
فكلما صغر عمر الضحية، زادت احتمالات الخوف من العقاب الأسري،عدم فهم الحقوق القانونية ،التردد في طلب المساعدة، والتأثر بالتهديدات النفسية للمبتز
وتابعت : حتى في حالة تقديم البلاغ، قد تتراجع بعض الأسر عن استكمال الإجراءات بسبب الضغوط المجتمعية، حيث يتحول الوصم الاجتماعي إلى أداة غير مباشرة لحماية الجاني، وتعتقد بعض الأسر أن إخفاء الواقعة يمنع انتشارها ويحافظ على استقرار الفتاة النفسي والاجتماعي ،وهذا النوع من الصمت يطلق عليه الصمت الوقائي وهو مفهوم شائع في المجتمعات المحافظة، حيث تُقدَّم السمعة أحيانًا على المواجهة القانونية.
لذا نجد ان الكثير من جرائم العنف الرقمي ضد المراهقات تبقى خارج الإحصاءات الرسمية بسبب عدم الإبلاغ.
روشتة الحل
ترى د. هند فؤاد أن مواجهة هذه الظاهرة لا تتطلب فقط إجراءات قانونية رادعة، وإنما تحتاج أيضًا إلى تغيير في الثقافة المجتمعية، تقوم على دعم الضحية واحترام خصوصيتها وأن يتم التعامل مع الإبلاغ باعتباره خطوة للحماية لا سببًا للوصم. فكلما شعرت الفتاة أن أسرتها ومجتمعها سيقفان إلى جانبها، زادت قدرتها على طلب المساعدة ومواجهة العنف الذي تتعرض له .
فيما طالبت انتصار السعيد بضرورة تطوير آليات الحماية داخل مسار العدالة من خلال:
تفعيل الإبلاغ الإلكتروني وسرية الخط الساخن .
وشددت على ضرورة وجود عنصر نسائي في التحقيقات داخل وحدات مباحث الإنترنت لتلقي البلاغات، لما له من أثر إيجابي على الحالة النفسية للشاكيات.
بعد أكثر من عام مازالت سلمى تحتفظ بصورة للشاشة داخل هاتفها. لم تتقدم ببلاغ، ولم يعاقب من هددها، لكنها تقول إن أكثر ما تتذكره ليس كلمات المبتز، بل خوفها من أن يعرف أبيها وبينما تظل آلاف الوقائع المشابهة بعيدة عن سجلات المحاكم، يبقى الخوف والصمت بالنسبة لكثير من المراهقات هو العقوبة الأولى والأخيرة..في مجتمع يبدو أن الوصول إلى العدالة فيه يحتاج أكثر من مجرد شجاعة… يحتاج نظاما عادلا لا يحول الضحية إلى متهمة ويلقي عليها اللوم..
وأخيرا تكشف الشهادات الواردة في هذا التحقيق، أن أثر العنف الرقمي لا يتوقف على طبيعة الانتهاك نفسه، بل يرتبط أيضا بدرجة الدعم الذي تتلقاه الفتاة من أسرتها و بيئتها الاجتماعية. فالدعم الأسري قد يكون عامل حماية وتعافي للفتيات، بينما يتحول اللوم أو الخوف من الوصم إلى عبء إضافي يفاقم من آثار التجربة..

التعليقات متوقفه