لماذا لا يصاب القلب بالسرطان تقريبا؟.. العلماء يكشفون “السر” وراء مقاومة العضو الأكثر حيوية للأورام

23

يبدو الأمر للوهلة الأولى لغزًا طبيًا محيرًا: السرطان يمكن أن يصيب معظم أعضاء الجسم، فلماذا يبدو القلب مختلفًا إلى هذه الدرجة؟

ففي الوقت الذي يعد فيه سرطان الجلد من أكثر أنواع السرطان شيوعًا، تشير بعض الإحصاءات إلى أن الإصابة به قد تصل إلى شخص من بين كل خمسة أشخاص في بعض الدول، بينما تبلغ النسبة نحو شخص من كل 18 بالنسبة لسرطان الرئة، وشخص من كل 100 تقريبًا بالنسبة لسرطان الكبد، فإن سرطان القلب يظل من أندر أنواع الأورام، إذ تشير التقديرات الواردة في التقرير إلى حالة واحدة تقريبًا بين كل 50 ألف شخص.

والأكثر إثارة أن الأورام التي تظهر داخل القلب تكون في كثير من الأحيان أورامًا ثانوية، أي أنها انتقلت من سرطان أصلي بدأ في عضو آخر ثم انتشر إلى القلب.

يرى العلماء أن الإجابة قد تكمن في الطبيعة الفسيولوجية الفريدة للقلب، إذ تختلف خلاياه عن خلايا العديد من أعضاء الجسم في معدل التجدد والانقسام.

فالسرطان يبدأ عادة عندما تحدث طفرات في الخلايا أثناء عمليات الانقسام والتجدد، فتفقد بعض الخلايا السيطرة على نموها وتبدأ في التكاثر بصورة غير طبيعية، مكونة أورامًا يمكن أن تؤثر في الأنسجة والأعضاء المحيطة.

وبالتالي، كلما ارتفع معدل تجدد الخلايا وانقسامها، زادت نظريًا الفرص التي يمكن أن تحدث خلالها طفرات تؤدي إلى نمو سرطاني.

هنا تظهر خصوصية عضلة القلب؛ فأنسجته العضلية تتمتع بقدرة محدودة للغاية على التجدد، وتشير تقديرات علمية إلى أن معدل تجدد خلايا عضلة القلب قد يصل إلى نحو 1% سنويًا فقط.

وبمعنى آخر، فإن جزءًا كبيرًا من خلايا القلب يظل موجودًا طوال حياة الإنسان، في contrast مع أنسجة أخرى، مثل الجلد، التي تتجدد خلاياها بصورة أسرع بكثير.

ويرى بعض العلماء أن هذا البطء قد يمثل نوعًا من «المفاضلة التطورية»؛ فالقلب يحتاج إلى الحفاظ على كفاءة عضلته وقدرتها على العمل المستمر منذ الولادة وحتى نهاية العمر، حتى لو جاء ذلك على حساب محدودية قدرتها على التجدد.

ولا تتوقف القصة عند معدل تجدد الخلايا، إذ تشير أبحاث أخرى إلى أن القوة والضغط الناتجين عن النبض المستمر للقلب قد يلعبان دورًا إضافيًا في الحد من نمو الأورام داخله.

وفي دراسة أجراها المركز الدولي للهندسة الوراثية والتكنولوجيا الحيوية في مدينة تريست الإيطالية، حاول الباحثون اختبار العلاقة بين انخفاض ضغط الدم وتغير معدل تجدد خلايا القلب ومدى قابلية العضو لنمو الأورام.

وأجرى الباحثون تجارب على فئران، من خلال استخدام قلوب تضخ الدم بوتيرة أقل من المعتاد، بما يؤدي إلى انخفاض الضغط وزيادة معدل تجدد الخلايا، ثم قارنوا نمو الخلايا السرطانية في هذه القلوب مع قلوب فئران ذات وظيفة طبيعية.

وأظهرت النتائج أن الخلايا السرطانية انتشرت بوتيرة أسرع في القلوب ذات النبض الأضعف، وهو ما دفع الباحثين إلى البحث عن الآلية البيولوجية التي تقف خلف هذه الظاهرة.

وتمكن الباحثون من تحديد صلة بين التغيرات الناتجة عن انخفاض معدل النبض وبروتين معين يؤثر في معدل ضربات القلب.

وخلصت النتائج إلى أن القوة والضغط الناتجين عن النبض الطبيعي للقلب قد يدفعان هذا البروتين إلى التأثير في نشاط جينات مرتبطة بنمو الأورام، بما يحد من قدرتها على التكاثر داخل أنسجة القلب.

وبذلك، لا يبدو القلب مجرد عضو تمر من خلاله جميع دماء الجسم، وإنما قد تكون البيئة الميكانيكية والكيميائية داخله أقل ملاءمة لنمو الخلايا السرطانية.

المفارقة الطبية الأكثر إثارة أن أهمية القلب في مواجهة السرطان قد لا تتعلق فقط بندرة إصابته بالأورام، بل قد تمتد إلى استخدام التغيرات التي تطرأ على وظائفه كمؤشرات مبكرة لوجود سرطان في أعضاء أخرى.

فبحسب دراسة نشرتها الدورية العلمية Journal of the American Heart Association، تابع فريق من الباحثين الحالة الصحية لآلاف الأشخاص على مدار نحو 18 عامًا، وقارن بين صور الرنين المغناطيسي التي تقيس وظائف القلب وبين معدلات الإصابة بأنواع مختلفة من السرطان.

وأظهرت النتائج وجود ارتباط بين بعض التغيرات الدقيقة في وظائف القلب وارتفاع احتمالات الإصابة بأنواع معينة من السرطان في مراحل لاحقة.

ومن بين النتائج التي رصدها الباحثون أن تراجع وظيفة الأذين الأيسر ارتبط بزيادة احتمالات الإصابة بسرطان القولون في وقت لاحق من العمر.

وقال تشين جيانج كاي، رئيس فريق الدراسة بجامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس، إن التغيرات في وظائف القلب قد تحدث بالتزامن مع التغيرات البيولوجية المرتبطة بنمو الورم، أو حتى تسبق ظهور هذه التغيرات.

وتفتح هذه النتائج بابًا بحثيًا مهمًا أمام إمكانية الاستفادة مستقبلًا من المؤشرات المرتبطة بوظائف القلب للمساعدة في اكتشاف بعض أنواع السرطان في مراحل مبكرة، وإن كانت هذه العلاقة لا تزال بحاجة إلى مزيد من البحث لإثبات آلياتها ومدى إمكانية استخدامها عمليًا في التشخيص.

وبينما يظل سرطان القلب نادرًا للغاية مقارنة بمعظم أنواع الأورام الأخرى، تكشف الدراسات الحديثة أن القلب قد يحمل مفتاحًا لفهم جانب مهم من العلاقة بين الأنسجة والسرطان.

فبطء تجدد خلاياه، والضغط الناتج عن نبضاته المستمرة، والبيئة الفريدة التي تعمل داخلها عضلته، قد تكون جميعها عوامل تفسر مقاومته النسبية لنمو الأورام.

وفي المقابل، فإن التغيرات الدقيقة في وظائف القلب قد تحمل في المستقبل إشارات تساعد الأطباء على الاشتباه في وجود أورام بأعضاء أخرى، لتتحول دراسة القلب من مجرد بحث في سبب ندرة سرطان القلب إلى أداة محتملة في معركة الكشف المبكر عن السرطان.

التعليقات متوقفه

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More

Privacy & Cookies Policy