علامات تكشف تأثير الاكتئاب والتوتر على الذاكرة ومتى يستدعي الأمر القلق؟
ضعف التركيز والنسيان المتكرر قد يثيران مخاوف من الإصابة بالخرف، خاصة مع التقدم في العمر، لكن تراجع الذاكرة لا يعني بالضرورة وجود مرض عصبي خطير. ففي بعض الحالات، قد يكون الاكتئاب أو التوتر المزمن أو قلة النوم أو بعض الأدوية وراء أعراض معرفية تشبه تلك المرتبطة بالخرف.
وتُعرف هذه الحالة تاريخيًا باسم «الخرف الكاذب»، إلا أن هذا المصطلح لا يُعد تشخيصًا طبيًا دقيقًا؛ لأن الصعوبات التي يواجهها الشخص في الذاكرة والتركيز تكون حقيقية، حتى لو كان سببها عاملًا قابلًا للعلاج، وفقًا لما أورده موقع تايمز ناو.
لا يتوقف تأثير الاكتئاب عند الشعور بالحزن أو فقدان الاهتمام، إذ يمكن أن يمتد إلى عدد من الوظائف العقلية، من بينها الانتباه والتركيز، وسرعة معالجة المعلومات، وتنظيم المهام، والقدرة على بدء الأعمال وإنجازها، فضلًا عن تذكر المعلومات.
وعندما يعاني الشخص من ضعف التركيز، قد لا يتمكن الدماغ من تسجيل المعلومات الجديدة بكفاءة منذ البداية، وهو ما يجعل استرجاعها لاحقًا أكثر صعوبة. لذلك، قد يشعر الشخص بأن ذاكرته تتدهور، بينما تكمن المشكلة الأساسية في بعض الحالات في الانتباه والقدرة على التركيز.
قد يساعد نمط ظهور الأعراض وتطورها في إعطاء الطبيب بعض المؤشرات، لكن لا يمكن الاعتماد على هذه العلامات وحدها للتشخيص.
ففي الحالات المرتبطة بالاكتئاب، قد تظهر مشكلات التركيز والذاكرة خلال أسابيع أو أشهر، وغالبًا ما يكون الشخص مدركًا لتراجع قدراته ويشتكي منه بشكل واضح، كما يمكن أن يتغير أداؤه من وقت إلى آخر، ويشعر بالإحباط أثناء أداء اختبارات الذاكرة أو التركيز.
في المقابل، تميل أمراض التنكس العصبي مثل الزهايمر إلى الظهور بصورة أكثر تدريجية، مع تزايد الصعوبات في تعلم معلومات جديدة وتذكرها، ثم التأثير بمرور الوقت في أداء المهام اليومية.
ومع ذلك، فإن الصورة ليست دائمًا بهذه البساطة؛ فقد يتزامن الاكتئاب مع مرض عصبي تنكسي أو يسبقه، لذلك لا ينبغي افتراض أن تحسن الحالة المزاجية سيؤدي حتمًا إلى اختفاء جميع مشكلات الذاكرة.
إذا ظهرت مشكلات الذاكرة والتركيز بالتزامن مع مجموعة من الأعراض الأخرى، فقد يكون من المهم أن يشمل التقييم الطبي الحالة النفسية، ومن أبرز هذه العلامات:
الحزن المستمر.
فقدان الاهتمام بالأنشطة والأشياء التي كان الشخص يستمتع بها.
الشعور بالتعب والإرهاق الشديد.
الإحساس بالذنب أو انعدام القيمة.
الميل إلى العزلة والابتعاد عن الآخرين.
اضطرابات النوم.
تغيرات ملحوظة في الشهية أو عادات تناول الطعام.
صعوبة التركيز واتخاذ القرارات.
لكن وجود هذه الأعراض لا يعني تلقائيًا أن النسيان سببه الاكتئاب، وإنما يمثل جزءًا من الصورة التي يحتاج الطبيب إلى تقييمها للوصول إلى السبب الحقيقي.
عند الشكوى من تراجع الذاكرة، لا يعتمد الطبيب عادةً على اختبار واحد للحكم على الحالة، بل يبدأ بجمع تاريخ طبي مفصل لمعرفة متى بدأت المشكلة، وكيف تطورت، والأدوية التي يستخدمها الشخص، ونمط نومه، وحالته المزاجية، ومدى قدرته على أداء أنشطته اليومية.
كما قد تكون ملاحظات أفراد الأسرة ذات أهمية، إذ يمكن للمقربين ملاحظة تغيرات في السلوك أو القدرة على أداء المهام اليومية قبل أن ينتبه إليها الشخص نفسه.
وقد يلجأ الطبيب إلى اختبارات معرفية أو تقييم نفسي عصبي أكثر تفصيلًا لقياس الذاكرة والانتباه واللغة والوظائف التنفيذية، إلى جانب تحاليل الدم، وفي بعض الحالات تصوير الدماغ، للبحث عن أسباب أخرى يمكن علاجها أو تحتاج إلى متابعة.
في بعض الحالات، نعم، خاصة إذا كان تراجع القدرات المعرفية مرتبطًا بعامل قابل للعلاج، فقد يساعد علاج الاكتئاب، وتحسين جودة النوم، ومراجعة الأدوية التي يمكن أن تؤثر في وظائف الدماغ، إلى جانب التعامل مع المشكلات الصحية الأخرى، على تحسين التركيز والذاكرة.
لكن التعامل مع الأمر باعتباره مجرد «خرف كاذب» دون إجراء تقييم طبي قد يكون خطأ، خصوصًا إذا كانت مشكلات الذاكرة تزداد تدريجيًا أو بدأت تؤثر في استقلالية الشخص وحياته اليومية.
هناك فارق كبير بين نسيان اسم شخص أو مكان من وقت لآخر، وبين تراجع الذاكرة الذي يبدأ في تعطيل تفاصيل الحياة اليومية.
وتصبح الحاجة إلى التقييم الطبي أكثر أهمية عندما يواجه الشخص صعوبة متزايدة في إدارة أمواله أو أدويته، إعداد الطعام، اتباع روتينه المعتاد، إجراء المحادثات، أو تنفيذ مهام كان يؤديها باستقلالية في السابق.
كما أن التدهور التدريجي في الذاكرة لا ينبغي تفسيره تلقائيًا بأنه نتيجة التوتر أو ضغوط الحياة؛ فـتحديد السبب مبكرًا يفتح الباب أمام التعامل مع العوامل القابلة للعلاج، كما يساعد على اكتشاف الحالات التي تحتاج إلى متابعة متخصصة.

التعليقات متوقفه