ماجدة موريس تكتب : إبداع الأبنودي.. وتقديم الثقافة في مصر

139

يحق لنا أن نعتبر هذا الاسبوع أسبوع الأبنودي بامتياز، والسبب، للأسف، رحيله واكتشافنا قيمته وعبقريته وقامته الشعرية والوطنية بمناسبة الرحيل.. وبالطبع فهو اكتشاف “اللحظة” التي اعتاد الإعلام أن يمسك بها ويكبرها ويصدرها إلي ملايين القراء والمستمعين والمشاهدين ولكنه في الحقيقة ليس اكتشافا، فقد وجدت عشراتالصحفات عن شاعرنا الكبير ضمن سجلات (جوجل) علي شبكة الإنترنت، وبينها عشرات الحوارات، القليل منها معهم وأكثر قيمة من غيره مثل ذلك الحوار الذي أجرته معه جريدة “الشرق الأوسط” السعودية وأجراه خالد فهمي عام 2007 وفيه يقسم الابنودي حياته بوضوح تام وفقا لمكونات التأثير عليهم مبتدئا بمرحلة الطفولة بقريته (أبنود) في اقصي صعيد مصر والتي عمل فيها راعيا للاغنام وعامل حصاد للقمح وفيها انتشي وجدانه مبكرا بسحر المكان واقتراب الأرض الخالية من السماء بكل ما تحمله من نجوم وما تطرحه علي فتي ريفي من خيالات، ثم مرحلة الخروج من القرية للمدينة للقاهرة ودخوله عالم اللقاء مع مثقفي عصره وهو طالب بكلية الآداب وبعدها وكتاباته الأولي، ثم تلك الفترة التي قضاها مجندا بالقوات المسلحة ورأي فيها بعينيه الصراع بين الموت والحياة كل لحظة وبطولات تتوالي عليه من مجندين بسطاء مثله دفعوا أرواحهم فداء للوطن قال الأبنودي إن هذه المرحلة جعلته يقف علي أرض الحقيقة فيسخر ممن قال بصدق إنه رأي هذا الشهيد أو ذاك مبتسما في أحداث التحرير مؤكدا أن شهداء المعارك، في الحرب وفي غيرها، لا يمكن أن يموتوا مبتسمين وإنما مصدومين تشي صورهم بكم العنف الذي تعرضوا له، الابنودي “الفصيح” لم يكن نجم هذا الاسبوع فقط وانما نجم الشعر والادب لسنوات طويلة والدليل علي هذا كم البرامج التي تمت استعادتها معه من خلال قنوات عديدة مثل برنامج (معكم) لمني الشاذلي علي شاشة CBC والذي كان من أهمها وفيه ذهبت مقدمة البرنامج إليه في الإسماعيلية ومعها شتلة “رمان” الفاكهة التي عشقها الابنودي منذ طفولته، وايضا حواره مع مني سالمان علي قناة دريم في برنامجها مصر في يوم، وحواره مع شريف عامر علي شاشة أم بي سي مصر ومع ايناس عبد الله عبر شاشة المحور ، ثم تسجيله لحلقات عن (السيرة الهلالية) كراو وكشريك مع فرقة لموسيقي التراث وهي حلقات أظن أنها سجلت للقناة الثقافية بالتليفزيون المصري وفيها محاولة لتقديم السيرة لأجيال جديدة من المشاهدين بجانب الاجيال القديمة، ويجتمع فيها ربما للمرة الاولي علي الشاشة الصغيرة الشاعر والمغني والعازف والبعد التراثي الذي يشير إلي الزمن الماضي، وقد قضي الابنودي ثلاثين عاما من حياته يجمع اطراف هذه السيرة من بلاد وبقاع مختلفة في العالم العربي، غير أن تسجيلها تليفزيونيا لم يأت بالقدر المتوقع من الابداع في استخدام مفردات العمل التليفزيوني بكل ما تتضمنه من مساحات وديكورات ومونتاج وتصوير واضاءة، باختصار بدا الموضوع وكأن مصدرا فوتوغرافيا جاءوا إليه بكاميرا فيديو وطلبوا منه تصوير الابنودي والفرقة التي تعزف وتنشد ابيات السيرة الهلالية.. ومع ذلك فإن هذا التسجيل هو مجد وفخر لأننا استطعنا فعله، فالأبنودي بالفعل بقدر ما كان شاعرا مبدعا فهو أيضا كان شخصية استثنائية قادرة علي التواصل مع كل المستويات، وعلي الانحياز للإنسان فقط بدون طبقية وعلي توصيل انحيازاته إلي العالم كله وهو ما صنع له دوائر من الاصدقاء والمحبين والمعجبين قبل أن نجد له نظيرا بين ادبائنا وشعرائنا ومبدعينا وهنا تكمن القضية الأساسية، فإذا كان رحيل الابنودي قد أثار لدينا كل هذه المشاعر بقيمته وقيمة الابداع بالنسبة لجيله، فإننا وجدنا لدينا الكثير مما نقدمه عنه في المناسبات، وما قدمناه بالفعل، لكن ماذا عن الآخرين من مجابليه وممن سبقه أو تلاه والذين لن تجد برنامجا واحدا معهم، أنها قضية عامة تخص الذاكرة المصرية في السنوات القادمة وتخص مستقبل مصر الحضاري، وتتلخص في أمور محددة أولها ما الذي يجب علي الدولة المصرية أن تفعله لتخليد مبدعيها ومفكريها؟ وهل هناك “قانون” أو “نظام” يجعل هؤلاء حاضرين لدي الاجيال الجديدة من خلال “مناهج التعليم” في المدارس العامة والخاصة، ومن خلال مكتبات بالمدارس ومسابقات في الشعر والادب والكتابة؟ نعم هل من الممكن أن توضع قصائد للابنودي وصلاح جاهين وصلاح عبد الصبور وعبد المعطي حجازي وغيرهم في مناهج التعليم.. ومتي؟ أما الأمر الثاني فهو هذا الفقر الحاد في برامج الثقافة وكل ما يخصها في الإعلام المصري، خاصة التليفزيوني، واخشي أن أقول أنه معبر عن هوية المسئولين عن القنوات التليفزيونية التي نراها ليلا ونهارا والتي تحتفي الآن جدا ببرامج الطبخ ومسابقات الغناء المستوردة والمسلسلات المدبلجة بينما لا تقدم نصف ساعة اسبوعيا مع أي مبدع أو إبداع محلي، ومن المؤسف أن هذا يحدث بالرغم من زخم إبداعي وظهور مبدعين ومبدعات كثر في السنوات القليلة السابقة، فلماذا ينظر هؤلاء السادة التليفزيونيون إلي الخارج دائما؟ ولماذا لا يقدمون برامج متوازنة وعن الابداع غير المستورد في مواجهة برامج واحداث العنف اليوم في الشارع المصري.. لماذا يفضلون العنف المحلي والترفيه المستورد.. تحديدا؟..

التعليقات متوقفه

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More

Privacy & Cookies Policy