نبيل زكي يكتب : الأبنودي
عاجل للاهمية
مشاهد حية تبقي في الذاكرة ولا تغيب عنها ابدا.. منها مشهد عيني “عبد الرحمن الأبنودي” وهما تلمعان ببريق غير عادي وأشعة تمتد إلي اللانهاية.. ونحن نقف أمام تمثال “ميريت آمون” في صعيد مصر. شعرت في تلك اللحظة أن التواصل بين أجيال المصريين أعمق بكثير مما يتصور البعض، خاصة أن المخزون الحضاري في “الجنوب” يضرب بجذور راسخة.. بل تزداد رسوخا عبر القرون.
التمثال.. روعة في الفن والجمال والاتقان.. يكاد ينطق.. ويخاطب أحد أفراد سلالة الفراعنة العظام.. ذلك الشاعر.. لسان حال من يفلحون الأرض ويعيشون علي ضفاف النيل منذ أبد الدهر.. والآن اتذكر كلمات الابنودي:
“أن الطيب لا يخرج إلا من بيت طيب، وأن لا نبات مورقا حيا بدون جذور قوية ضاربة في عمق هذه الأرض الطيبة المسماه.. مصر”.
وطوال مسيرته.. وصدره “يتلقي سهام الكارهين وضعاف الموهبة والمحبطين- إلي جانب سهام السلطة..وسهاما تأتيك من حيث لا تري”.
كان البعض من الاشرار يتعجلون موته. وكان يعرف ذلك، ويقول :”أموري الصحية غير قابلة للحسم، وأعرف ما سوف يحسمها”، ويفخر الابنودي بأن الكثيرين من الطبيبين في مصر والعالم العربي، بل والعالم ، “يشمون في ثوبي رائحة عبق الوطن”. وهو علي حق عندما يوقظ الغافلين مؤكدا:
“لقد بشرنا بالثورة وصدحنا باشعارها قبل سقوط النظام. لقد أدنا الممارسات غير الانسانية مع ابنائنا الذين قتلوا وسحلوا في مياين الثورة بواسطة الشرطة والجيش علنا، وشعري منشور وشاهد لكنني، ولأني نظيف اليد، وليس لي يد ثالثة كالآخرين.. فإن هذا علي ما يبدو يثير الكثير من التافهين”.
غادرنا الأبنودي، ونحن أشد ما نكون احتياجا لمواقفه وكلماته وفي ظروف يتحدث عنها هو نفسه، قائلا:
“مصر محاصرة باتساع المؤامرة وشعار الاطراف المتحفزة.. ولا يتجاهل المؤامرة الآن إلا خائن، وليس ثمة من تسمية أخري”.
بعد أن اطلق البعض الشائعات عن موته، وهو لايزال علي قيد الحياة، اتصل به- تليفونيا- رجل بلدياته من “أبنود” وهو يبكي “انت صح مت”؟ اجابه الابنودي باسما:
“من زمان. انت جاي دلوك تسأل؟” كان الابنودي قبل ايام من وفاته يحاول اضحاك بلدياته، الذي طالما كان يضحكه في السابق، فإذا بهذا البلديات يصدق الابنودي الذي قال انه مات من زمان وينفجر باكيا. وكان علي الابنودي بعد ذلك أن يبذل جهدا لإقناعه بأن الموتي لا يتكلمون!
ولكن الابنودي لن يكف عن الكلام.. حتي بعد رحيله..وسوف تبقي أشعاره كما بقيت “ميريت أمون”، وكما تبقي كل المعاني الخالدة.

التعليقات متوقفه