محمد فهمي يكتب: الراقصة.. والبحر الأبيض!
هذا الزمان
لا يكاد يمر أسبوع واحد.. دون أن نسمع فيه دق طبلة!
طبلة نعرفها.. منذ أيام حسنى مبارك.. ونعرف من دويها المصحوب بالإثارة.. أننا أمام مخالفة ارتكبتها راقصة!
الطبلة تدق من فوق.. وفى اليوم التالى تدق كل الصحف الكبرى والصغري.. ومحطات التلفزة على نفس الطبلة.. بحيث يطمئن حكامنا على أنه لا يوجد مواطن فى البلد لا تشغله الطبلة.
نفس الطبلة.. ونفس الإيقاع الصاخب.. مع اختلاف واحد هو اسم الراقصة.
زمان كانت هياتم.. هى موضوع الطبلة.. ودخلت السجون بعد كل دقة.. أما الآن فإن الراقصة الأرمينية صافيناز جورجيان البالغة من العمر 30 سنة.. هى موضوع دقات الطبلة.. وهى بطلة المرحلة.. ونجمة الموسم.
التهمة الموجهة للراقصة صافيناز.. هى انتهاكها للقانون رقم 430 لسنة 1955 الذى يحدد ما يتعين أن تكون عليه بدلة الرقص من الناحية القانونية.. ومن بينها أن تكون مقفولة فى نصفها الأسفل.. وبلا فتحات جانبية.. أما بالنسبة للصدر والبطن فتكون وفقا للقانون مغطاة بطريقة غير منافية للآداب.
كما حدد القانون حركات الراقصة بالتفصيل.. حركة.. حركة.. فمنع على سبيل المثال الاستلقاء على الظهر.. وفتح الساقين إلى نهايتهما على الأرض.. ومنع أى حركات “اهتزازية” إلى أعلى أو أسفل أو حركات “الرعشة”.
وأشار القانون رقم 430 الصادر سنة 1955 إلى أنه لا يجوز الرقص الشرقى على مقطوعات موسيقية دينية أو وطنية حفاظا على جلال الغرض الذى وضعت من أجله هذه الموسيقي.
بيد أن الراقصة صافيناز.. ارتكبت فى العين السخنة ما لم يخطر ببال المشرع سنة 1955.. بارتدائها بدلة رقص على هيئة علم مصر.. وهى تقوم بالرقص على أغنية “بشرة خير” خلال حفلة مجانية بالعين السخنة.. فانقلبت الدنيا.. ودقت الطبول.. من أجل نقل الواقعة التى شاهدها المئات.. إلى عيون الملايين فى أرجاء البلاد.. ولاسيما من سكان العشوائيات الذين لم يشهدوا الحفل الراقص فى العين السخنة.. على أساس أنه من أبسط حقوق الإنسان فى بلدنا.. أن يعرف ما يجرى حوله.. دون أن يتلفت حوله.
المهم.. أنه منذ أيام قضت محكمة العجوزة فى الجيزة بحبس الراقصة الأرمينية صافيناز لمدة ستة أشهر وتغريمها 10 آلاف جنيه فى قضية اتهامها بإهانة العلم المصري.. الأمر الذى سوف يعيد الانضباط إلى عالم الرقص الشرقي.. بكل تأكيد.
بيد أن لهذه القضية وجها آخر.. هو أن ما نشهده من دقة المحاسبة فى عالم الراقصات.. لا نراه فى كل أرجاء البلاد من انتهاكات تشيب لها الأجنة فى الأرحام.. ابتداء من الرى بمياه الصرف الصحي، أو اقتلاع الأشجار النادرة.. وهدم المبانى الأثرية.. لإقامة ناطحات سحاب.. وتغيير ملامح المدن والأحياء الراقية.. والاستخدام الصارخ لمكبرات الصوت التى تقلق راحة الأموات فى قبورهم.. ناهيكم عن قضية خرق مركب الهجرة غير الشرعية قبالة السواحل الليبية وراح ضحيتها أكثر من ستمائة شخص غرقوا فى مياه البحر الأبيض.. ولم نسمع أن طبلة واحدة.. قد دقت لسبب بسيط.. هو أن صاحب المركب لم يكن راقصة شرقية.. للأسف الشديد!

التعليقات متوقفه