حسين عبدالرازق يكتب: سوق العصر
لليسار در
مع بدء التعددية الحزبية المقيدة فى مارس 1976 بقرار من الاجتماع المشترك لمجلس الشعب واللجنة المركزية للاتحاد الاشتراكى العربي، وإنشاء ثلاثة منابر داخل الاتحاد الاشتراكى “يمين – ووسط – ويسار” تحولت بعد ذلك إلى تنظيمات ثم إلى أحزاب سياسية، بادرت القيادات التى كونت الهيئة التأسيسية الأولى لحزب اليسار “التجمع الوطنى التقدمى الوحدوي” باختيار سكرتارية مؤقتة برئاسة “خالد محيى الدين”، وتوليت فى هذه السكرتارية مسئولية الاتصال مع تكوين الحزب بالقاهرة ثم مسئولية الأمين العام للحزب بالقاهرة بعد ذلك.
وأدت ظروف العمل إلى تفرغى ود. رفعت السعيد لبناء الحزب وتواجدنا يوميا إلى جانب خالد محيى الدين فى الدور الذى خصص جزء منه للتجمع.. وكنت أستقبل يوميا شخصيات يسارية عديدة قررت الانتماء لأول حزب علنى “قانوني” لليسار المصري، وفى أحد الأيام فوجئت بشاعرنا الكبير “عبدالرحمن الأبنودي” يدخل على بصحبة عدد من الأصدقاء ويطلب منى استمارة ليوقع طلب انضمامه للتجمع، لينضم إلى كوكبة من الفنانين والأدباء الذين شاركوا فى تأسيس التجمع، أذكر منهم حمدى غيث وعبدالرحمن أبوزهرة ورجاء النقاش ود. الطاهر مكى وصلاح أبوسيف وجميل راتب وسهير المرشدى ويوسف شاهين.
وفى الذكرى السابعة لرحيل الزعيم “جمال عبدالناصر” قرر الحزب أن يحتفل بهذه الذكرى فى ميدان المحطة بحلوان بإقامة مؤتمر جماهيرى حاشد يؤكد قوة وصلابة الحزب وموقفه المعارض لسياسات الحكم برئاسة السادات وممدوح سالم، خاصة بعد أن تعرض الحزب وقادته لضربة أمنية قوية بعد انتفاضة 18 و19 يناير 1977 واعتقال المئات من قياداته المركزية وفى المحافظات من أسوان إلى الإسكندرية، أمضوا فى سجون السلطة عدة أشهر.
وأثناء الإعداد لهذا المؤتمر فوجئت بمسئول الحزب فى منطقة حلوان، وهو قائد عمالى يسارى بارز، يعترض على مشاركة “الأبنودي” فى المؤتمر بمقولة إن جماهير حلوان ترفض وجوده، بسبب لقائه بالسادات واحتضان السلطة له، ورفضت هذا المنطق، فهذا اللقاء الذى تم عام 1975 وما أثير حوله انتهى بانضمام الأبنودى للتجمع فى قمة معارضة الحزب للسادات وسياساته.
وإذا أصر الحزب فى حلوان على موقفه فسألغى المؤتمر كله، وخضع مسئول الحزب فى حلوان ولكنه حذرنى من وقوع مشاكل مع جماهير حلوان إذا حضر الأبنودي.
وفى مساء 29 سبتمبر 1977 عقد المؤتمر فى حلوان وحضره الآلاف من جماهير اليسار فى حلوان والتبين والمعادى والقاهرة بشكل عام.
تحدث فى البداية د. إسماعيل صبرى عبدالله وأبوالعز الحريرى وحسين عبدالرازق والقائدان العماليان رشاد الجبالى ومحمد الديب ثم خالد محيى الدين.
وجاء وقت الشعر ممثلا فى الشاعرين عبدالرحمن الأبنودى وسمير عبدالباقي، ما أن قدمت الأبنودى ليلقى شعره حتى فوجئت بمجموعة متكتلة فى الميدان فهتفت ضده وترفض الاستماع إليه وتطالب بنزوله من على المنصة، كان أغلبهم من الشباب اليسارى – من غير أعضاء التجمع – الذين أمضيناها شهورا محبوسين فى ليمان “أبوزعبل” بعد انتفاضة يناير، وتركت المنصة واتجهت إليهم فى محاولة لإقناعهم بالتوقف عن الهتاف أو محاولة منع “الأبنودي” من إلقاء قصيدته التى لم أكن أعرف عنها شيئا، وبعد حوارات حادة وهادئة توقفوا عن الصخب والهتاف ضد الأبنودي، وما أن بدأ الأبنودى فى إلقاء قصيدته “سوق العصر” حتى أنصت الجميع ثم انفجرت موجة من التصفيق شارك فيها الآلاف المحتشدين فى الميدان ومن بينهم الذين كانوا منذ دقائق يرفضون الأبنودي.
لا أعرف متى كتب الأبنودى هذه القصيدة وفى أى ظروف، ولكنها بدت لى وللآلاف المحتشدين فى المؤتمر، وكأنها ترد بقوة على كل الهجوم الذى تعرض له بعد لقائه بالسادات، تقول القصيدة:
“الوحى ده ماجانيش من موسكو
ماجانيش من أمريكا
ماجانيش غير من هنا من القلب
فأنا باعتقد إنى بحب الوطن
وأموت فداء الشعب
أنا صوتى منى وأنا ابن ناس فقرا
شاءت ظروفى إنى أكتب وأقرا
فباشوف وباغني
والفقرا باعتيني
يا ناس يا هو قبل ما قول قولة..
إتأكدوا إن صوتى ده خرج مني..
أنا مش عميل حد..
أنا شاعر
جاى من ضمير الشعب
…
خلى الكلام ياخد براحة يا خال
ماتقولش حرية.. وأنا صوتى مش صوتي
وابقى جاوبنى لما يفلت سؤال
بدل ما تكرهنى وتناور على موتي
وما أن ينتهى الأبنودى من إلقاء قصيدته حتى يهتز ميدان محطة حلوان بالتصفيق والهتاف، وتبدأ صفحة جديدة فى علاقة الشاعر الكبير عبدالرحمن الأبنودى باليسار وبجماهير الشعب، صفحة ناصعة البياض.
رحم الله الأبنودى الذى سيظل حيا فى عشرات القصائد والمواقف.

التعليقات متوقفه