أمينة النقاش تكتب: مهنة تحتاج لإنقاذ
ضد التيار
لم يعد يخفي علي أحد حال التدهور العام الذي أصاب مهنة الصحافة في بلادي، والتي كانت يوما ما، رائدة في اقليمها، وتراجعت ريادتها إلي مراتب دنيا، بعد أن اختلط فيها الحابل بالنابل، ورأس المال بالقواعد المهنية والإعلان بالتحرير، واختفي من ساحتها كثيرون من الرواد ممن وضعوا أسس نهضتها وريادتها، وصاغوا لها قواعد مهنية محددة. تبلورت هذه القواعد في اعتبار الصحافة رسالة ودورا يلعبه الكتاب والصحفيون لقيادة مجتمعاتهم نحو التقدم والازدهار، وليست ساحة لتصفية الحسابات الصغيرة، وممارسة الابتزاز للحصول علي مكاسب شخصية مادية في الغالب وهي قواعد تفصل بين حرية الرأي والتعبير، وبين النزوع للتشهير والخوض في الأعراض، وتجريس الناس، والسعي للاثارة التي لا تستهدف سوي التوزيع والترويج والربح أولا وأخيرا، حتي لو تم ذلك بإهدار الحقيقة والتمثيل بجثتها، والتضحية بالقراء وحقوقهم في المعرفة وهم الفئة التي يفترض أن الصحف تعمل لخدمتهم.
وفي هذا المناخ الذي اختلط فيه الردئ بالجيد، والموهوب بمعدوم الموهبة، وعاشق المهنة، بالساعي للرزق وأكل العيش من ورائها، باعتبارها تحولت في السنوات الأخيرة كما وصفها يوما د. رفعت السعيد من فرط يأسه من اصلاح أوضاعها، أنها باتت مهنة من لا مهنة له، كما اختلط فيها بشكل فاضح الرأي بالإعلان، وبالذات في وسائل الإعلام الفضائي التي لعبت معظمها في السنوات الأخيرة دورين متناقضين هما المساهمة في تشكيل توجهات الرأي العام في القضايا المطروحة في الحياة الاجتماعية والسياسية، وفي نفس الوقت تزييف وعيه بالمبالغة في عرض الوقائع، وتلوينها وربما تغييرها، في سياق الهدف المنشود الساعي لكسب مزيد من الجماهيرية، وجذب الانتباه للحصول علي أعلي نسبة من الإعلانات.
وليس هناك حاجة للبحث عن أدلة، عن أن الجيل الجديد من الصحفيين لا يعرف لغته العربية، ويخطئ أخطاء مرعبة في الاملاء والنحو، فضلا عن عجزه عن تركيب الجملة، وهو ما يشي، أنه لا يقرأ كتبا أو صحفا، لأنه لو فعل وهو مقبل علي مهنة اداتها الأولي هي الكتابة، لما كرر اخطاءه بمنتهي السهولة واليسر، ولا يعرف معظم هؤلاء الفرق بين التحقيق والتقرير الخبري، والخبر ومقال الرأي، مع أن كثيرين منهم قد أنهي دراسته الجامعية في كليات الإعلام!
أتيح لي مؤخرا أن اقرأ بعض الكتب التي يتم تدريسها للطلبة في بعض كليات الإعلام، وبالذات منها ما يجري تدريسه في التعليم المفتوح فهالني حجم الاخطاء الاملائية والنحوية التي كتبت بها، والتشوش والتخبط في المعلومات التي تنطوي عليها فصولها، وربما تكون معلومات منقولة أو مترجمة بشكل ركيك، فوجدت بعض العذر لطلابها، لكن ذلك لا يعفي نقابة الصحفيين من دورها المهم في الارتقاء بالمهنة، وفتح أبواب التدريب المختلفة لاعضائها الجدد، ليس فحسب في مجالات التدريب علي اللغات الاجنبية وعلي وسائل الاتصال الإليكتروني، ولكن علي الأشكال المختلفة لوسائل التعبير الصحفي فضلا عن إدراج اللغة العربية في برامج التدريب التي تطرحها، وقبل هذا وذاك ، أن تبذل النقابة جهدا حقيقيا لتطبيق مواد القانون الواردة في ميثاق الشرق الصحفي والإعلامي، وفي قانون سلطة الصحافة، بحظر اشتغال الصحفيين في جلب الإعلانات، وتطبيق العقوبة التأديبية علي من يقدم منهم علي ذلك، إذا ما تم الاعتراف بأن توقف النقابة عن ممارسة هذا الدور لأسباب انتخابية، كان واحدا من أهم الأسباب التي أدت إلي تدهور المهنة، وتدني الأداء المهني لأجيالها الجديدة.

التعليقات متوقفه