د. رفعت السعيد يكتب: حول تجديد الفكر الدينى ( 46 )
صفحة من تاريخ مصر
صراع الاسلام والتأسلم
تحدثنا فى المقال السابق عن ندوة سبق أن عقدت فى ثمانينيات القرن الماضى تحت عنوان “الحركات الدينية المتطرفة” وعن علماء إعلام أسهموا فيها بأوراق وبحوث لم تزل تستحق منا الدراسة باعتناء واهتمام فهى تضم أفكاراً بالغة الأهمية فى تفهم ظاهرة “التطرف” وأسلوب التعامل معها . ونمضى اليوم فى محاولة لاستكمال إلقاء نظرة سريعة على بعض من هذه الأبحاث التى نؤمل أن تجد من يهتم بطبعها فهى لم تزل وحتى اليوم قادرة على منحنا إجابات صحيحة نحن فى أشد الحاجة إليها .
ونواصل مطالعتنا لبحث د. فرج احمد فرج المعنون “الحركات الدينية المتطرفة – توصيف وتقييم” وهو يحاول أن يفسر لنا الموقف المعادى للحاضر فى فكر التيارات المتطرفة “إنهم يرفضون الحاضر ، فدمار الحاضر بالنسبة لهم هو شرط لميلاد نظامهم ، فما نراه نحن تدميراً للحاضر ورفضا له هو بالنسبة لهم قوة للبناء ومن ثم فإن بواعث رفض الحاضر نابعة عن عجز فى فهم طبيعة الأشياء ، بل عجز عن فهم منطق الحياة ذاتها ذلك المنطق القائم على تجاور النقائض ليتولد من تفاعلاتها معاً .. الجديد” [صـ159] .
أما الدكتور محمد أحمد خلف الله فيرى فى ورقته المعنونة “إقامة الدولة الإسلامية” [صـ4] أن جوهر المشكلة يكمن فى السعى نحو إقامة الدولة الدينية . ورؤية أصحابها التى ترى أن العائق أمام قيام هذه الدولة هو الطاغوت أى الدولة المدنية الحديثة . بل هم يرون أن الناس قد عادوا إلى جاهلية جديدة أشد إضراراً بالحياة الدنيا وبالحياة الآخرة من الجاهلية الاولى . ومن هنا فإنهم يتصورون انهم ملزمون بوجوب الجهاد من أجل إعلاء كلمتهم التى يقولون إنها كلمة الله وجعل كلمة الذين كفروا هى السفلى ، ومن ثم فإنهم جميعاً وعلى اختلاف تنظيماتهم يتفقون على ضرورة قيام دولتهم ، والنضال من اجلها باللسان والسنان اى بالعنف . والعنف على حد زعمهم جزء من السنة إذ يبرورنه بواقعة مشكوك فيها تقول بإغتيال كعب بن الأشرف بسبب إيذائه للرسول الكريم” ويمضى د.خلف الله قائلاً “أن هؤلاء المتطرفين ينسون الحجة التى رددها حجه الإسلام الإمام الغزالى والتى تقول “ومهما أمكنك أن تعمل الأمور بالرفق واللطف فلا تعملها بالشدة والعنف فقد قال الرسول الكريم كل وال لا يرفق برعيته لا يرفق الله به يوم القيامة” .
ثم نأتى إلى بحث قدمته د. سهير لطفى بعنوان “رؤية سيسيولوجية للجماعات الدينية المتطرفة” تقول فيه “إن انتشار الإسلام يرجع إلى تغلغله فى الأوجه الدنيوية والاجتماعية والسياسية للمجتمعات التى ارتبطت به . ورغم أن مفكرى الإسلام الأوائل قد اختلفوا فى مذاهبهم وأرائهم الفقيهة وفى المسائل الفكرية لكنهم كانوا كالذين يتبارون فى ملعب واحد ويلتزمون بقواعد متفق عليها ، ومن هنا أمكن أن تكون لهم ثقافة موحدة الروح وان تباينت مظاهرها” [صـ192] . ثم تمضى قائلة “وقد إتسم فكر المصلحين بصفة عامة بأنه فكر اصلاحى سلفى فى الإطار التاريخى للنظام الاجتماعى القائم فى ذلك الوقت . إذ إقتصر فكر رفاعة الطهطاوى على إمكان تفسير الشريعة بطريقة تتفق مع إحتياجات العصر . أما محمد عبده وأستاذه جمال الدين الافغانى فقد كانا فى بداية حياتهما متحررين وانتهيا محافظين توفيقيين فقد تمركزت أفكار الافغانى التى كانت خليطاً من التوجهات الدينية والوطنية والراديكالية الأوربية فى دعم الحركة الدستورية والجامعة الإسلامية كما تمركز فكر محمد عبده حول إن كان التوفيق بين الإسلام والفكر الحديث وبهذا يمكن القول ان الفكر الاصلاحى كان عبارة عن نداء سياسى يستند إلى تفسير مثالى للعقيدة الإسلامية ولهذا لم تلجأ هذه الأفكار إلى العنف بل تمسكت بأهداف الأخوة التى تجمع كل المسلمين فى ضوء الواقع الاجتماعى القائم وإحتياجاته”[صـ196] .
وتمضى د. سهير لطفى لتقرر “وبصفة عامة يمكن القول إن الفكر السياسى الاجتماعى لدى العرب قد تمركز فى جميع مراحله على محاولة التوفيق بين نظرية الإسلام فى الحكم ، والمتغيرات التى طرأت على واقع الحكم فى مختلف المراحل التاريخية ، حتى تواجه المسلمون فجأة فى أوائل القرن 19 مع عالم أوربا الحديثة، فشعر المفكرون المسلمون بضرورة القيام بمحاولة جديدة للتوفيق بين آخر ما وصلت إليه النظرية الإسلامية فى الحكم ، وبين هذا العالم الجديد والغريب والمثير للدهشة ، والباعث فى أحيان على الإعجاب والانبهار ، وفى أحيان أخرى على الحنق والرفض . وفيما كان موج التغريب يندفع نحو الاراضى التى أحكمت الإمبراطورية العثمانية قبضتها عليها ، وفيما تتهاوى القبضة العثمانية التى أصبحت خائرة وواهية نشأت حركة فكرية واسعة النطاق أنبثق منها إتجاهان فكريان الأول يتطلع إلى الأخذ بالأفكار الغربية والثانى يرى فى الدعوة الدينية المتشددة والمتطرفة وسيلة لمواجهة هذه الأفكار” . ولأن المجتمع العربى الاسلامى لم يكن بتركيبته السلطوية التى تتجسد فى تسلط القمة على القاعدة ، حيث أهم شخص فى الدولة هو الرئيس وفى الجيش هو القائد ، وفى الأسرة هو الأب ، يتقبل إجراء حوار يخترق السائد والمألوف ، فأغلق باب الاجتهاد وباب الحوار المتكافئ وتوقف العقل وانعكس ذلك كله فى تسلط المتطرفين على عقول الأتباع ، وفى السلوك اليومى أعطيت الأولوية للمظهر (اللحية والجلباب) على الجوهر (هو حقيقة التسامح الاسلامى مع الأخر) وسادت روح رفض الآخر وتكفيره” [صـ200] . وليس أمامنا سوى ان نعتذر فما أوردنا فى مقالينا سوى نذر يسير جدا من أبحاث شديدة العمق وراقية الفكر ، وتُعمل العقل باقتدار .
ويبقى أن أناشد من يهتم بالفكر والعقل والحوار وبحماية المجتمع والإسلام ذاته كدين وعقيدة من الأفكار المتطرفة ، أن يطبع أوراق هذه الندوة فنحن فى أمس الحاجة إليها . لكننا أيضاً فى حاجة الى ندوة أخرى تلاحق ما نحن فيه وتسعى الى فهمه وتفسيره .

التعليقات متوقفه