ليبيا.. هدأت المدافع وجاء دور الدبلوماسية

المبادرة المصرية نجحت فى وقت القتال وتحريك الحل السياسى

230

*التصعيد الأخير فى ليبيا والتدخل التركى صعد توتر العلاقات بين موسكو وأنقرة
يبدو أن جليد الأزمة الليبية بدأ فى الذوبان، وبعدما اشتد أوار الحرب وظهور الكثير من الضحايا بدأ العالم يتحرك، وربما كان التدخل التركى أحد أسباب النشاط الأوروبى، فهناك العداء التقليدى بين تركيا من ناحية وألمانيا وفرنسا من ناحية أخرى، مخافة أن يستخدم أردوغان ورقة الهجرة غير الشرعية، لكن هذه المرة من ليبيا، وكذلك الشائعات بتواجد قوات روسية فى الشرق الليبى، من الممكن أن يكون أحد الأسباب التى جعلت أطرافا عديدة مرتبطة بالملف الليبى للتحرك ليس أخرها الجزائر، بعد المبادرة المصرية، التى بدأ تنفيذها من خلال وقف إطلاق النار الحالى وغير المعلن، ووقوف قوات الوفاق عن مدينة سرت دون محاولة اقتحامها، مع دعم لقوات المشير حفتر لمواقعها، لأنها تعلم أنه فى حالة سقوط سرت فإن الشرق الليبى سيكون عرضة للسقوط، وهو ما لن تقبل به القوى الفاعلة فى الملف الليبى، فلن تقبله القاهرة لأنه مرتبط بالدعم التركى، ولن تقبله روسيا أيضاً التى ترى فى تركيا منافسا لها فى الملف السورى، وحتى الجزائر لا ترغب بأى حال فى تواجد تركى بالقرب من حدودها، وربما كان هذا أحد أسباب تحرك الرئيس الجزائرى عبد المجيد تبون، وإجرائه مفاوضات مع القبائل الليبية، وإقراره بالمبادرة المصرية لوقف إطلاق النار، أى أن المبادرة المصرية أوقفت الحرب من خلال كونها طالبت بذلك، كما أن القاهرة كشرت عن أنيابها من خلال أظهار استعدادها للتدخل العسكرى، فى حال تجاوز قوات الوفاق لمدينة سرت.
لكن الأهم هنا وما يعنينا هو التحرك الروسى ـ التركى، والاجتماع الذى كان من المقرر عقده فى تركيا بصيغة 2+2، أى وزيرا الدفاع والخارجية فى البلدين، وكما ذكرت أخر الأنباء الواردة من كل من أنقرة وموسكو أن الاجتماع قد تم تأجيله فى أخر لحظة، ولم يفصح الجانبان عن أسباب ذلك، وإن كان من المقرر أن يناقشا الملفين السورى والليبى، وهما الملفان العالقان بينهما، كما كان من المفترض أن يناقش الجانب التركى أخر المستجدات فى صفقة إس ـ 400، فهناك الكثير من اللغط المتعلق بتنفيذ الصفقة من حيث السماح بمشاركة تركية فى التصنيع، تركيا تريد البدء وروسيا تقول مع الوقت، ولم يتوصل الطرفان لحل، لكن الأهم فى هذه اللحظة هو الملف الليبى، الجانبان أشارا إلى أن هناك لجانا أمنية على اتصال دائم، وأن الأهم الآن هو وقف إطلاق النار فى ليبيا والمباحثات الدائرة بين الجانبين، والتى تشترط كل من تركيا وروسيا على أن تجرى تحت إشراف الأمم المتحدة، بينما ذهب البعض الآخر لأبعد من ذلك عندما أشار إلى أن الجانبين ربما يعدان اتفاقا خاصا بليبيا على نار هادئة ولا داعى للعجلة الآن لعقد اجتماع مثل هذا.
المباحثات الروسية – التركية التى كان من المفترض أن تعقد الأحد 14 يونيو ولم تعقد جاءت بعد اتصال هاتفى بين الرئيس التركى والرئيس الروسى. من المعروف أن التصعيد الأخير فى ليبيا والتدخل التركى ، قد صعد من التوتر فى العلاقات بين البلدين فيما يتعلق بالملفات العالقة بينهما، فقد صعدت روسيا وبدأت القصف فى بعض مناطق خفض التصعيد فى إدلب، كما أن الحكومة السورية بقيادة الرئيس الأسد تحاول فى الفترة الأخيرة استعادة السيطرة الكاملة على محافظة أدلب، التى تتواجد فيها قوات تركية بالاتفاق مع روسيا، بينما قامت تركيا بالتصعيد فى ليبيا من خلال الإمداد بالسلاح والمرتزقة لحكومة السراج، بل والتدخل المباشر فى الحرب إلى جانب حكومة الوفاق مما جعلها تحقق بعض الانتصارات التى قد تتيح لها التفاوض وهى محتفظة بماء الوجه، بعد أن كانت قاب قوسين أو أدنى من هزيمة ساحقة فى طرابلس.
هناك احتمال آخر لتأجيل الاجتماع التركى – الروسى، وهو أن هناك ضغوطا مورست على أنقرة وموسكو، باعتبار أن اجتماعا مثل هذا قد يفهم فى العالم على أنه انفراد من جانب روسيا وتركيا بالملف الليبى كما انفردا من قبل بالملف السورى وكانت ثالثتهما إيران، أما الآن فهناك مبادرة القاهرة اعترفت بها معظم دول العالم والتى تم وقف إطلاق النار على أساسها وتجميد خطوط القتال عند سرت، كما أن دخول الجزائر على الخط والتحامها بمبادرة القاهرة من خلال سعيها لجمع أطراف ليبية مختلفة ولن يقتصر الأمر على حكومة الوفاق وبنغازى فقط، وستكون بلا شك زيارة عقيلة صالح للجزائر عنصر دعم لأى مبادرة جزائرية للمصالحة بين الأشقاء الليبيين.
الأطراف المختلفة ذات المصالح فى ليبيا سيكون عليها أن تشارك فى أى محادثات للتسوية النهائية فى ليبيا، روسيا بطموحها الجيوسياسى لتكون شوكة فى ظهر الناتو من الجنوب تحد من توسعه شرقاً من خلال أوكرانيا وجورجيا، كما أن لها بعض مناطق امتياز للبحث والتنقيب عن الغاز وإنشاء خط سكة حديد فى ليبيا وهى عقود أبرمتها منذ عهد القذافى، مصر هى الدولة الأهم خاصة أن حدودها المشتركة مع ليبيا تزيد على الألف كيلو متر، ويهمها بلا شك أن يكون النظام فى ليبيا صديقا ويخلو من العناصر الإرهابية، كما أن مصر تطمح فى أن تنال جزءا من كعكة إعادة الإعمار، وترغب فى ان يستوعب سوق العمل الليبى جزءا من العمالة المصرية.
أما فرنسا التى تريد نظاما غير معادٍ لها للتواصل مع مستعمراتها السابقة لتتمكن من حرب تنظيم القاعدة فى دول المغرب، والذى ينشط فى الساحل والصحراء (مالى والنيجر وبوركينا فاسو وساحل العاج ومالى تشاد)، وتمثل لها ليبيا منفذا مهما إلى تلك الدول، وربما تريد قاعدة لتكون قريبة من مكافحة الإرهاب فى مستعمراتها السابقة، إيطاليا تستمد اهتمامها بليبيا من أن الولايات المتحدة سلمتها هذا الملف باعتبار ليبيا كانت مستعمرة ايطالية، وبالطبع معظم إمدادات ايطاليا من النفط والغاز كانت ليبية وهى الدولى الأقرب جغرافيا لليبيا ويهمها أن تكون ليبيا مستقرة، والاتحاد الأوروبى ككل يعنيه وجود نظام قوى فى ليبيا يمنع الهجرة غير الشرعية التى تؤرق الأوروبيين منذ عدة أعوام، والأهم بالنسبة للأوروبيين هو منع روسيا من التمركز جنوب حلف الناتو، وبالطبع هناك الولايات المتحدة وهى تتدخل لصالح حلفائها الأوروبيين فى الناتو، فهى مشغولة الآن فى الكورونا والانتخابات الرئاسية فى نوفمبر المقبل، وإن كانت تراقب الموقف من بعيد من خلال التصريحات، ولكنها لن تترك ليبيا لروسيا كما حدث فى سوريا فى كل الأحوال، أما تركيا فهى كما صرح البعض كانت قد وقعت بعض العقود أثناء حكم القذافى، وهى تريد تنفيذها، كما أنها حسب صحفيين من صحيفة يانى سافاك التركية تريد إقامة قاعدتين عسكريتين فى ليبيا، منها قاعدة الوطية كقاعدة جوية، سوف تتمركز فيها طائرات تركية مسيرة، أما القاعدة الثانية فهى فى مصراتة، فتركيا تعتقد أنها يجب أن تتمركز بحرياً فى ميناء مصراتة بسبب خلافاتها المتصاعدة دائماً مع اليونان، بالإضافة ـ هذا هو الأهم ـ تريد تركيا الحصول على جزء من النفط من خلال التنقيب أمام السواحل الليبية، وترغب فى تأمين أعمال التنقيب. لكن السؤال الأهم من أين تضمن تركيا بقاء نظام السراج ليؤمن لها ما تريد، ثم كيف ستتخلص تركيا ونظام السراج نفسه من الغلمان الذين يحملون السلاح فى شوارع المدن الليبية دون رقيب أو حسيب، على أى حال تركيا ليست اللاعب الوحيد على الساحة الليبية، ففرنسا على لسان الرئيس ماكرون استنكرت التدخل التركى فى ليبيا، ووصف الرئيس الفرنسى التصرفات التركية بأنه استغلال سئ لعضويتها فى حلف الناتو، التدخل التركى ومحاولة الهيمنة فى ليبيا سيجابه بمقاومة شديدة ليس أولها من القاهرة وليس أخرها من باريس، مما سيجعل استقرار تركيا فى ليبيا استنزافا لاقتصاد تركى متهالك.

التعليقات متوقفه

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More

Privacy & Cookies Policy