لقطات
أسئلة الحوار الوطنى ورد الحكومة -1
جودة عبدالخالق
ذكرت في الأسبوع الماضى الأسئلة الثمانية التي طرحناها من مجلس أمناء الحوار الوطنى إلى الحكومة لمناقشتها فى المؤتمر الاقتصادى. وتقديرا لأهمية هذه الأسئلة، طلب رئيس الجمهورية من الحكومة الرد عليه صراحة. وبالفعل، في ختام المؤتمر الاقتصادى أعلن رئيس الوزراء ردوده على تلك الأسئلة التي نتناولها هنا بالتحليل والمناقشة.
س1- بخصوص التضخم وسعر الصرف، ما هي الآليات المزمع استخدامها في الأجل القصير لكبح جماح ارتفاع الأسعار المتوقع من تبني مزيد من المرونة في سعر الصرف، وما لذلك من آثار سلبية على دخول المواطنين والنمو والتشغيل؟ وأليس من الأفضل ربط الجنيه بسلة عملات، بدلا من نظام الصرف الحالي الذي يبدو أنه يربط الجنيه بالدولار فقط؟ ولماذا لا تفكر الحكومة في وضع ضوابط على حركة رؤوس الأموال الساخنة لتجنب مفعول الثالوث المستحيل؟ وأخيرًا، بما أن التضخم عندنا ليس ظاهرة نقدية أساسًا، ما هي الإجراءات التي تنوى الحكومة اتخاذها لضبط الأسواق ورفع الإنتاج والانتاجية؟
ج1- أجاب الدكتور مدبولي بأننا اخترنا سياسة مرونة سعر الصرف (يعنى تخفيض قيمة الجنيه) لحل مشكلة عجز الميزان التجارى. وأكد أن هذه السياسة ضرورية للتخلص من معضلة الثالوث المستحيل (impossible trinity) طالما أننا اخترنا سياسة حرية المعاملات الرأسمالية في ميزان المدفوعات وطالما أننا حريصون على استقلالية السياسة النقدية.
تعليق على الرد: بإيجاز شديد، القول بأن تخفيض سعر الصرف يؤدى الى زيادة الصادرات وتقليل الواردات يفترض مرونة الهيكل الانتاجى من ناحية وارتفاع المرونة السعرية للطلب على الصادرات والواردات من ناحية أخرى، فضلا عن قلة اعتماد الإنتاج المحلى على المستلزمات المستوردة سواء لأغراض الإنتاج أو الاستهلاك. ومعلوم جيدا لكل الاقتصاديين أن هذه الشروط لا تنطبق على الاقتصاد المصرى. وبالتالي، فإن تخفيض قيمة الجنيه سيزيد العجز التجارى ويرفع التكاليف والأسعار. كما أن رئيس الوزراء نسى أن تخفيض قيمة الجنيه يؤدى مباشرة الى زيادة التزامات خدمة الدين الخارجي في الموازنة العامة للدولة بنفس النسبة، وبالتالي زيادة العجز المالى. وبالمناسبة، هذا ما حدث بالفعل نتيجة تخفيض الجنيه في إطار اتفاقنا مع الصندوق عام 2016. إذن نحن نتحمل أضرار تخفيض الجنيه ولا نجنى ثماره.
ثم إن الحكومة، كما قال رئيسها، قد اختارت حل معضلة الثالوث المستحيل باتباع سياسة مرونة سعر الصرف. وهذا في رأيى هو أسوأ الحلول في الحالة المصرية. ولتوضيح الأمر نحدد معنى معضلة الثالوث المستحيل أولا. وهذه مسألة اقتصادية فنية دقيقة تتعلق بالإدارة الكلية للاقتصاد (macroeconomic management). في مجال الإدارة الكلية للاقتصاد هناك ثلاثة أهداف: استقرار سعر صرف العملة، واستقلالية السياسة النقدية، وحرية حركة رؤوس الأموال بين الخارج والداخل (وللعلم، فإن عضوية مصر في صندوق النقد لا تلزمها بحرية حركة رؤوس الأموال). ومعضلة الثالوث المستحيل مضمونها أنه لا يمكن تحقيق هذه الأهداف الثلاثة مجتمعة، وأن على صانع السياسة الاقتصادية أن يختار التضحية بأحدها لضمان تحقيق الهدفين الآخرين. وفى حالتنا اختارت الحكومة اتباع سياسة مرونة سعر الصرف، أي التضحية بالجنيه على مذبح العولمة المالية. فسارت في سكة التخفيض، وهى في رأيى سكة الندامة. الدليل على ذلك ما قاله رئيس الوزراء “بعضمة لسانه” وهو يرد على السؤال الذى وجهته في المؤتمر الاقتصادى. قال أن قرار الاعتمادات المستندية اتُّخِذ لمواجهة أزمة حقيقية، عندما فوجئنا بخروج 30 مليار دولار في أقل من شهر- يعنى بمتوسط مليار دولار كل طلعة شمس. وقال “ما كانش قدامنا حل تانى”!
وقد يتساءل القراء: وما هي البدائل. سأجيب في مقال قادم. لكنى هنا اكتفى بالمطالبة بأن يتولى الاقتصاديون، بدلا من المهندسين أو المحاسبين، إدارة اقتصادنا.

التعليقات متوقفه