ماجدة موريس تكتب:آلام الناس.. وأفلام مهرجان القاهرة

23

 

آلام الناس.. وأفلام مهرجان القاهرة

ماجدة موريس

عن آلام البشر في كل مكان تحدثت أفلام مهرجان القاهرة السينمائي الدولي الذي اقيم حفل ختامه مساء أمس الثلاثاء لقد استولت آلام البشر في كل مكان بالعالم تقريبا علي أغلب قصص افلام الدورة الرابعة والاربعين للمهرجان مع تنوع القصص بين القارات والبلاد والطبقات، وبين القصور والبيوت وحتي الخيام، فنحن أمام دورة الآلام بامتياز، دورة إعادة حسابات الزمن مع كتاب ومخرجي الأفلام، الكبار، ذوي التاريخ الحافل بالأعمال، ومع الكتاب والمخرجين الجدد القادمين بوجهات نظر مختلفة، أو الباحثين عن تاريخ سابق، أو تاريخ تتم صناعته من جديد.

ومن هنا استطاع عشاق السينما المواظبون على حضور المهرجان أن يجدوا في أفلامه ما يستحق الاهتمام والتفكير، والحيرة، وربما محاسبة الذات لان الأعمال الفنية الصادقة تدفع مشاهدها الي استعادة ذاكرته، وربما التماهي معها، وهو ما رأيناه عبر فيلم الافتتاح (آل فابلمان) للمخرج الامريكي الكبير (ستيڤن سبيلبرج) الذي قدم فيه رحلته مع الحياة منذ الطفولة وحتي قرر أن يعمل في السينما، وأيضا فيلم اليوم الاخير، الختام، (الابن) للكاتب والمخرج الفرنسي الكبير ( فلوريان  زيلر)الذي يطرح فيه قضية وجودية هي علاقة الآباء بالابناء وهل على الأب، أو الأم، تقديم حياتهما بالكامل للأبناء، أم تقسيمها بين الابناء والحياة الشخصية والمهنية؟ وبين أسئلة فيلما الافتتاح والختام دارت عشرات الأسئلة حول الحياة الآن، ودور العائلة بكل أفرادها، وعلاقات الزوجين واسباب الفراق، وموقف الابناء، قبل وبعد الفراق، ومن الحياة العائلية المستقرة إلي الحياة المهددة بفعل الحروب، والتي تدفع البشر إلي إلقاء انفسهم في البحر عبر قوارب مطاطية كما في فيلم (السباحتان) أو الهروب من افريقيا الفقيرة إلي بلچيكا لإعالة الأسرة كما في فيلم (توري ولوكيتا) وصولا لفراق وهروب نهائي لمواطنين من بلدهم حين تأتي ساعة الحساب كما في فيلم (العايلة).

من البلاستيك إلى المنسيين

من المدهش في افلام المهرجان ايضا ظهور قضية البيئة بوضوح من خلال موضوعات الافلام التي تقدم قسوة البيئة وتأثيرها المادي والمعنوي علي أبطال الفيلم مثل فيلم (مهر الحرب) الذي تدور أحداثه في محمية امريكية وسكانها الأصليين، وفيلم (المبدأ) من بوليڤيا وبطلاه الزوجان المسنان اللذان يحاولان التكيف مع موجة جفاف حلت بالهضبة التي يسكنانها، اما فيلم (قصة البلاستيك) الذي شاركت في إنتاجه ست دول فهو يوثق بصراحة شديدة كيف أصبحت منتجات البلاستيك مشكلة حقيقية تواجهنا جميعا، ومن قضايا البيئة الي قضايا الشتات الانساني والسياسي بكل ملامحها المعبرة عن أطياف كثيرة لا يمكن تخيلها إلا من خلال السينما والسينمائيين المهمومين بقضايا العالم، وأوطانهم في المقدمة، وهو ما رأيناه عبر أفلام عربية مهمة، أولها الفيلم التونسي (جزيرة الغفران) للمخرج رضا الباهي، والذي تدور أحداثه في نهاية الحرب العالمية الثانية في جزيرة چربة التي ضمت سكان من التوانسة والطلاينة وجنسيات أخرى اندمجوا معا في حياة مستقرة حتى بدأت المشاكل من الطرفين فعكرت صفو الحياة الهادئة في الجزيرة حين اعتنق البعض من كل فريق أفكار ضد التسامح والمساواة قبل أن تنتبه الأغلبية إلى قيمة ما لديها من قيم وتصر عليها والفيلم يأخذك ببراعة إلي رحلة في المكان والزمان ويدفعك إلي تذكر الحياة ومتغيراتها عندك، اما فيلم (علم) للمخرج فراس خوري فهو فيلم مختلف عن فلسطين الآن لكنه يطرح صورة من صور اليوم تقودنا إلى الأمس من خلال مدرسة ثانوية فلسطينية يعلوها العلم الاسرائيلي الذي يثير غضب طلابها وطالباتها، ومنهم (تامر) المنقول حديثا والذي يتشاجر مع (صفوت) بسبب (ميساء) قبل أن تربطهم الصداقة، وتدفعهم للتفكير في افساد احتفال تقيمه المدينة المحتلة بيوم الحرية، الذي هو تاريخ النكبة واحتلال فلسطين، وبعد مداولات كثيرة، ومراوغات مع الأهل يقرر الثلاثة انزال العلم ورفع العلم الفلسطيني في المساء وبدون أن يدري أحد، ولكن تمضي الأحداث في اتجاه آخر لتكشف لنا عن اختلافات عديدة لم ينتبهوا اليها قبل تنفيذ الخطة، اما فيلم (رحلة يوسف، المنسيون) للمخرج چود سعيد فيذهب بنا الي ما يواجهه الكثير من السوريين بعد أحداث الحرب، وهجرة من هاجروا الي بلاد اخرى، وما يواجهه الذين بقوا مثل بعض اهالي  قرية صغيرة وجدوا انفسهم وسط الدمار والفوضى بلا اي دعم  ومنهم الجد يوسف (بأداء أيمن زيدان) وحفيده زياد، وقريبة لهم، والذين يقومون بجهد شاق لبناء وتعزيز خيمة تحميهم من العراء، وتعيدهم الي زمن ما قبل التاريخ، لكن لا المكان ولا الفقر أستفزا العجوز يوسف ومن معه، وانما سلوك بعض امثالهم من البشر الذي توحش الي درجة إيذاء الآخرين أمثالهم طالما خرجوا من بيوتهم واصبحوا في مخيمات، وهو ما يدفع بيوسف وحفيده الي صراعات فورية مع من لا يعرفهم، بل ويضطره الي عقد قرانه علي قريبته الشابة لحمايتها ممن يريدون تزويجها قسريا واختطافها، وهو ما يدبرونه ايضا لحبيبة زياد الصغيرة، ولتصبح القضية هي هل يسمح اهل المخيم بان تسود شريعة الغاب، وبأن يعيشوا تحت رحمة العصابات الجديدة، ام يتكاتفون للحفاظ علي ما تبقي من انسانيتهم، فيلم كبير ومؤثر استطاع مخرجه المشارك ايضا في كتابته ان يضعنا كمشاهدين امام كل القضايا التي تواجه العالم، وامام انفسنا.

التعليقات متوقفه

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More

Privacy & Cookies Policy