أمينة النقاش :حكمة محفوظ الغائبة

ضد التيار
حكمة محفوظ الغائبة

أمينة النقاش
فى عام 1965 نشر الدكتور لويس عوض كتابه “مذكرات طالب بعثة “، الذى يروى فيه تجربة رؤيته للحضارة الأوروبية، أثناء دارسته لنيل شهادة الدكتوراه فى بريطانيا فى الفترة من 1937 وحتى 1940، إبان الحرب العالمية الثانية، فضلا عما أنطوى عليه الكتاب من مواقف ومعتقدات للويس عوض الشاب (1915-1990) فى تلك الفترة وما قبلها، بما يجعل كتابه جزءا من تاريخ مصر الثقافى والسياسى. وما كادت سلسلة الكتاب الذهبى التى كانت تصدرها مؤسسة روز اليوسف تصدر الكتاب، حتى قامت الدنيا ولم تقعد، لماذا؟ لأن المؤلف تجرأ وأصدر كتابه باللغة العامية.
لم تلتفت حملة الهجوم على الدكتور لويس عوض إلى الفرق بين الزمنين، زمن كتابة المذكرات، الذى استوحى فكرة كتابتها من كتاب نثرى بالعامية فُتن به، نشره “بيرم التونسى ” بعنوان” السيد ومراته فى باريس” يروى فيه تجربة منفاه فى العاصمة الفرنسية، بأسلوب تهكمى بالغ الدلالة والعمق، وبين الزمن الذى صدرت فيه المذكرات، وبين هذا وذاك كان قد مر نحو ربع قرن. ولم يتوقفوا أمام أن ” مذاكرات طالب بعثة “تمت كتابتها فى فترة زمنية كانت قضيىة الازدواج اللغوى وعلاقتها بالتعبير الأدبى مطروحة للنقاش فى الساحة الثقافية المصرية آنذاك، وكان دكتور عوض مهموما كغيره من المثقفين بها.
ولأن الغرض مرض كما يقول المثل الشعبى الحكيم، الذى يدفع صاحبه لتبرير فساد رأيه وبطلان استدلالاته وضعف حججه، لأنه يبنيها إستنادا إلى الحكم على الشخص وليس على آرائه وأفكاره، فقد كانت الحملة على كتاب لويس عوض، موصولة بحملة قبلها على شخصه، وهى تتذرع بمناقشة بحثه الذى نشره فى الملحق الأدبى الذى كان يشرف عليه فى جريدة الأهرام بعنوان “على هامش الغفران ” قدم من خلاله رؤيته لأبى العلاء المعرى، وإثباته بأنه كان على إطلاع واسع بتراث اليونان الفكرى والأدبى والفلسفى، وقوله أن اللغة العامية تصلح وسيلة للتعبير الأدبى.وكان المفكر الإسلامى المحافظ ” محمود شاكر ” هو قائد تلك الحملة وزعيمها، على صفحات مجلة الرسالة التى انضمت إليها كذلك مجلة الثقافة وكانتا تصدران عن وزارة الثقافة، متهما الدكتور لويس عوض بأنه أحد أدوات الاستعمار والحركات التبشيرية للقضاء على اللغة العربية، ووراء مؤامرة كبرى ضد الثقافة العربية.وقد أصدر ” محمود شاكر “وقائع حملته تلك فى كتاب فيما بعد تحت عنوان “أباطيل وأسمار”، ولم تكن تلك الحملة تخلو من عنصر طائفى غلاب، ضد مثقف من كبار مفكرى الحداثة والتنوير، فى مصر المعاصرة.
ولأن الغرض مرض، فقد تجاهلت الحملة، أن المقدمة التى كتبها الدكتور لويس عوض لديوانه “بلوتولاند” فى العام 1947 قد حسم فيها موقفه من قضية استخدام الفصحى والعامية فى الكتابة. وذهب لويس عوض إلى أن قضية الازدواج اللغوى لا تؤرق كاتب المسرح، أو كاتب القصة والرواية حين يكتبون حوارا بالعامية. وبطبيعة الحال فهى ليست محلا للجدل فىما يكتبه شعراء العامية. فضلا عن أن معظم تراث الأدب الشعبى فى السير والملاحم كتبه مبدعون مجهولون باللغة العامية، كما تجلى فى سير “عنترة” و”ابو زيد الهلالى” و”الظاهر بيبرس “وكما برز فى الفنون الشعبية كخيال الظل والأرجوز. أما الأديب الناقد فليس أمامه ما يتعذر قوله باللغة العربية الفصحى.
وموقف الدكتور لويس عوض من قضية الازدواج اللغوى، لازال فاصلا مؤثرا حتى يومنا هذا، وكنت أظن أن موقفه العلمى والمنطقى قد حسم ذلك الجدل، وأن المفاضلة بين الكتابة بالعامية أو بالفصحى باتت من القضايا الملفقة والمصنوعة، إلى أن فوجئت بالحوار الدائر على وسائل التواصل الاجتماعى، وفى بعض الصحف يدعو أصحابه لترجمة الكتب الأدبية والمصطلحات النقدية إلى اللغة العامية لتسهيل الأمر على عموم القراء، ولتخفيف صعوبة اللغة الفصحى !
الأحد الماضى اعترضت الكاتبة العراقية “إنعام كجه جىى” فى مقالها اللأسبوعى بصحيفة الشرق الأوسط على تلك الدعوة.ونشرت فقرة مترجمة باللهجة الدارجة للنص الفرنسى الشهير “الأمير الصغير” لمؤلفه ” أنطوان دو سانت إكزوبيرى”التى احتفلت المحافل الثقافية العالمية بمرور ثمانين سنة على صدوره، وأصدر الكاتب الأديب ” محمد سلماوى ” ترجمة عربية له مؤخرا.وهذا هو نص الفقرة التونسية :
“الأمير الصغرون، لوج بعينيه على بلاصة يقعد فيها،، أما الكوكب كان معبى بالكبوط المزيان. يا خى قعد واقف. وعلى خاطرو تاعب تثاوب..قام يوكوك شوية وكاينو منبوز”!
حين قرأت الفقرة السابقة للصديقة الناقدة “مايسة زكى ” عبر الهاتف، ذكرتنى بحديث “لنجيب محفوظ ” سألوه عن لغة الكتابة، قال فيه بحكمته المصفاة المعهودة، أن اللغة الفصحى هى المظهر الوحيد الباقى للقومية العربية. معنى الكلام أنها المشترك الوحيد الذى يجمع بيننا نحن العرب فى الأمة المحترقة الممزقة بحروبها وخيباتها، فلا تستسهلوا تهميشها والاعتداء عليها، ويحق لنا أن نزعق جميعا بالصوت الحيانى مع “إنعام كجه جىى” عاشت الفصحى التى توحدنا.

 

التعليقات متوقفه

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More

Privacy & Cookies Policy