تستهدف الموازنة العامة للدولة 2024 زيادة مخصصات الموجهة للقطاع الصحى بنسبة 92,5 مليار جنيه عن العام الماضى لتصل إلى 397 بمعدل نمو 30% ، وتعتبر هذه الزيادة ضئيلة بالنسبة إلى معدل التضخم الرسمى البالغ 37% ما يعنى أن الإنفاق الصحى انخفض قيمته بنسبة 7% .
وأعلن دكتور محمد معيط وزير المالية زيادة بدل المخاطر للمهن الطبية بفئات مالية تتراوح من ٤٠٠ إلى ٤٧٥ جنيهًا للأطباء وهيئة التمريض ومضاعفة فئات نوبتجيات السهر والمبيت ، وتوجيه ٦ مليارات جنيه للتأمين الصحي والأدوية بزيادة ٥٨,٢٪ عن العام المالى الحالي، و ٨ مليارات جنيه لعلاج المواطنين على نفقة الدولة بمعدل نمو سنوى ١٤,٣٪.
لا يمثل الرقم المعلن على لسان وزير المالية 397 مليار جنيه رقما حقيقا فى الإنفاق الصحى، حيث يتم ضم خدمات ومرافق أخرى للقطاع، ويوضح تفصيل الموازنة إجمالي نصيب كل عنصر من عناصر الإنفاق، من أجور ومستلزمات وغيرها، من هذا المبلغ.
فوفقا لتقرير التنمية البشرية هناك فرق بين “الإنفاق الوظيفي على الصحة”، وبين ما يسميه “المخصصات للبنود الأخرى ذات الصلة بخلاف القطاع الوظيفي” البنود الجديدة هي: نصيب القطاع الوظيفي من فوائد خدمة الدين العام (مثل خدمات توفير مياه الشرب والصرف الصحي ، باعتبارهما مقومان أساسيان في تحقيق معدلات صحية).
لكن ما هو أثر تضخم الدين العام وتزايد أعبائه في الموازنة على الصحة حتى يصير (نصيب الإنفاق الصحي من الديون) داخلا في ميزانية الصحة يوضح الدكتور محمد حسن خليل المقرر المساعد للجنة الصحة بالحوار الوطنى أن هناك فارقا بين الإنفاق الصحي، وهو الإنفاق المباشر على عناصر الصحة الأربعة، (والوقاية والتشخيص والعلاج والتأهيل)، وبين الإنفاق على ما يسمى بالمحددات الاجتماعية للصحة، تشتمل المياه النقية والصرف الصحي، وعناصر أخرى مثل جودة الغذاء، ومرافق الكهرباء، والطرق والنقل والمواصلات، والاتصالات وغيرها”.
مبينا انه رغم الأثر البالغ لهذه العوامل على الصحة، إلا أن لا أحد فى العالم يضمها إلى الإنفاق الصحي، خصوصا وكلا منها يدخل في بند آخر في الموازنة مثل ميزانية المرافق والدعم وغيرها؛ وبالتالي فذكرها فى موازنة الصحة يعد تكرارا واحتسابا لنفس الرقم مرتين، وبرهانا على هذا إن تقرير التنمية البشرية يقارن في مختلف الأرقام بين مصر ودول أخرى، إلا أن ما يسمى “مخصصات الصحة” لا تتم مقارنته مع أي دولة أخرى، لأنه يصعب تصور وجود دولة أخرى في العالم تطبق مثل ذلك المعيار العجيب من وجهة نظره.
كاشفا أن الإنفاق “الحقيقي” على الصحة لا يتجاوز 1.4% من الناتج القومى الاجمالى، و لم تتغير هذه النسبة تقريبا خلال الموازنات الخمس السابقة، إذ بدأت نسبة الإنفاق على الصحة ب1.45% وانتهت بنسبة 1.39%، رغم ارتفاعها قليلا إلى 1.55% في عام أزمة وباء كوفيد 19، وظلت النسبة اقل قليلا من نصف الحد الأدنى للنسبة التى نص عليها الدستور 3%.
مشيرا إلى أن لجنة الخمسين لوضع الدستور فى 2014، طالبت بتخصيص ضعف تلك النسبة، أي 6% للصحة من الناتج المحلي الإجمالي، وهي النسبة العالمية المتعارف عليها في الدول الأخرى، لكن الحكومة أو ممثليها في اللجنة تحدثت عن صعوبة ذلك، تم التوصل إلى حل وسط بأن جاءت صياغة الدستور ب “ألا يقل الإنفاق الصحي عن 3% من الناتج المحلي الإجمالي تزيد تدريجيا حتى تصل إلى النسبة العالمية” أي 6%.
ووفقا لخليل فان الحكومة طالبت مهلة 3 سنوات، من 2014 إلى 2017 لتطبيق النسبة الأدنى التي ستزيد تدريجيا، وتمت الموافقة على هذا، وفقا للمادة 238 الخاصة بالأحكام الانتقالية من الدستور، على أن تطبق من العام المالي 2016/2017، وبدأت الحكومة فعلا في زيادة النسبة سنويا حتى تصل إلى 3% في العام المحدد، ولكن جاءت الرياح بما لا تشتهى السفن، حيث تم الاتفاق مع صندوق النقد الدولي أواخر عام 2016، والمسمى بالإصلاح الاقتصادي، على برنامج قرض الاثني عشر مليار دولار، وما اشتمل عليه من شروط تقشفية، فعادت نسبة الإنفاق على الصحة من الناتج المحلي الإجمالي لتنخفض من جديد وتصل للحدود ضئيلة.
ويعد خليل قلة عدد الأطباء الشديدة عن المعدلات الطبيعية، احد الدلائل على انخفاض الإنفاق على الصحة فلدينا 0.7 طبيب لكل ألف مواطن، أي نصف النسبة العالمية، وأرجع السبب إلى هجرة الأطباء نظرا لضعف المرتبات.
الأجور والمعاشات
أما الدكتور محمود فؤاد رئيس المركز المصرى للحق فى الدواء يشير إلى أن الموازنة لم تبين حجم الإنفاق على قطاعات كثيرة فى الصحة مثل الأجور و المعاشات والرعاية الصحية ونفقة الدولة دون تفصيلات ، وان الأرقام المعلنة تنذر بوجود مشاكل فى القطاع الصحى على ضوء التضخم الحالى وزيادة السكان بمعدل 1,8 مليون نسمة سنويا
مبينا أن أزمة عدم وجود أسرة رعاية صحية مركزة الأدوية المخصصة للأمراض المزمنة والنادرة مستمرة بسبب عجز الميزانية السنوية، والمنشآت الصحية، تحتاج إلى أطباء وممرضين وفنيين ومعامل، ووفقا لفؤاد الخدمة الطبية ستظل أدنى من المستوى ما لم يتم الالتزام بالنص الدستورى البالغ 3% وزيادتها تدريجيا سنويا لتحسين مستوى القطاع ورفع كفاءته .
مؤكدا أن النسبة الحالية لم تتجاوز 2% من الناتج القومى الاجمالى، تذهب نصفها إلى الأجور والمكافآت، والديوان العام بالوزارة، متوقعا تدنى الإنفاق فى الموازنة الجديدة 2024 بسبب ارتفاع نسبة التضخم ، وأزمة الدولار التى تعطل استيراد خامات الأدوية والمستلزمات الطبية اللازمة للعمليات الجراحية من الخارج مثل المفاصل وجراحات العيون حيث امتدت الأزمة إلى المستشفيات الخاصة وليس فى الحكومية.
أدني من المعدلات العالمية
دكتور محمد عز العرب مستشار المركز المصرى للحق فى الدواء يشير الى ان تراجع موازنة الصحة المصرية عن المعدلات العالمية بشكل كبير حتى النسبة التى ينص عليها الدستور ضئيلة، فالمعدلات العالمية لا تقل عن 10% وهناك دول افريقية مثل السنغال تصل نسبة الإنفاق على الصحة إلى 14% بينما فى مصر لا تزيد عن 2% من الناتج المحلى.
مبينا أن لدينا نقصا فى أدوية السرطان رغم وجود تحسن فيها، وعجز فى الرعاية المركزة بنسبة تصل الى 4 الاف سرير حضانات الأطفال، مطالبا بتطبيق مشروع التأمين الصحى الشامل الذى بدأ فى 2018 وتم الانتهاء من المرحلة الاولى فى خمس محافظات .
وقال عز العرب:” أن أثار التضخم وارتفاع الأسعار أكلت الطبقة الوسطى وجعلت العلاج الخاص قاصر على الأغنياء وهو ما يكشفه حجم الإقبال والتكدس على العيادات الخارجية بالمستشفيات الحكومية وهجرة العيادات الخاصة .
مضيفا ان تدخل المبادرات الرئاسية ساهم فى حل مثل هذه المشكلات بالقطاع لكنها مؤقتة ومازال يحتاج إلى مزيد الدعم لذلك نحتاج إلى فلسفة لإصلاح البنية التحتية فرص علاج متكافئة فى الرعاية وتغطية النقص فى قوائم الانتظار فى العمليات الجراحية بشكل مستمر بزيادة البنود الخاصة بالعلاج والوقاية .
مشيرا الى أن مدينة الدواء فى ابو زعبل استطاعت توفير بعض أصناف الدواء لكن مازلنا فى حاجة الى تدريب الأطباء والصيادلة والتمريض يفرق فى الخدمة.
طفرة الاستثمار
رغم الطفرة التي تحدث في استثمارات الصحة إلا أن لدينا مشكلة خاصة بالسياسات سواء من حيث دور الحكومة ودور القطاع الخاص أو من حيث رؤية الاستثمارات واختزالها في المباني والأجهزة والتجهيزات بغض النظر عن توافر العنصر البشري من أطباء وتمريض وهو ما عشناه في تجربة مستشفيات التكامل وفي العديد من المستشفيات الجديدة ذات الواجهات الرخامية الفخمة والأجهزة الحديثة والتي تعاني من غياب الكثير من التخصصات المهمة.
يقول الباحث الاقتصادى الهامى المرغنى أن التنمية الحقيقية تأتى بالاهتمام بالبشر وليست بالحجر وبتنمية الأطباء والتمريض وليس بالمقاولات والبناء والاستيراد ولكن بتصنيع الأجهزة والمستلزمات الطبية والأدوية ،، فمنذ منتصف تسعينيات القرن الماضي بدأت خطوات إعادة هيكلة القطاع الصحي بتمويل من المعونة الأمريكية ثم من البنك الدولي حيث تغير تركيب القطاع الصحي بالكامل .
فقد القطاع الحكومي وفقا للمرغنى عشرات المستشفيات والأسرة وانخفض عدد مستشفيات وزارة الصحة من 1,183 مستشفي تضم 79.4 ألف سرير عام 2006 إلي 390 مستشفي تضم 38.1 ألف سرير وبذلك فقد الشعب المصري ملكية 793 مستشفي و 41.3 ألف سرير حكومي، وهو ما نتج عنه قوائم الانتظار في العمليات الجراحية ومعاناة البحث عن غرف الرعاية المركزة للحالات الحرجة.
كما تغير هيكل ملكية المستشفيات حيث أصبح القطاع الخاص يملك 60.6% من المستشفيات عام 2016 بينما القطاع الحكومي يملك 39.4% فقط . وبذلك اصبح القطاع الخاص الطبي يسيطر علي ما يقرب من ثلثي المستشفيات في مصر.
خلال السنوات الأخيرة 2014-2016 انخفض عدد أسرة وزارة الصحة 2,947 سرير وأسرة الجهات الحكومية التابعة لوزارة الصحة انخفضت 1,265 سرير، كما انخفضت إجمالي الاسرة الحكومية 3,933 سرير رغم زيادة عدد السكان.
وارتفعت أسرة مستشفيات القطاع الخاص بحوالي 8,051 سرير خلال الفترة ويصبح القطاع الخاص مسيطرا علي 25.8% من أسرة المستشفيات في مصر بعد ان كان لا يسيطر الا علي 20.1% عام 2014
بنهاية 2016 أصبح القطاع الخاص يسيطر علي 69.3 % من المنشآت الطبية ذات الأسرة ووزارة الصحة لها 18.1% والجهات التابعة لوزارة الصحة 6.1% والجهات الحكومية الأخرى 6.5% وبذلك تكون جملة القطاع الحكومي 30.7%.
ويضيف الهامى أيضا انه رغم ذلك لازالت وزارة الصحة والجهات التابعة لها والجهات الحكومية الأخري تمتلك 72.7 % من الأسرة بينما يملك القطاع الخاص 27.3% من أسرة المستشفيات فقط وهو ما يزيد من فرص مواجهة الأمراض والأوبئة.
نفس الوضع ينطبق علي الفريق الطبي حيث يوجد حوالي 30% من الأطباء والتمريض في الحكومة في إجازات دراسية وإجازات عمل نتيجة تدني الأجور في القطاع الحكومي.ويتزايد تسرب الأطباء من وزارة الصحة ليشكل ذلك عقبة كبري أمام التنمية الصحية.
وتشكل مشكلة التكليف لدفعة مارس 2021 وفرض تخصصات معينة عليهم أو إجبارهم علي دراسة تخصصات محددة لا يرغبون فيها أو الدراسة علي نفقتهم الخاصة إضافة إلي مشكلة كليات العلوم الصحية ومشكلة كليات الطب في الجامعات الخاصة التي لا تملك مستشفيات تعليمية للطلبة وعرض تأجير بعض المستشفيات العامة لهم بما يحرم المواطن من فرص العلاج المجاني
ويبين المرغنى انه أعيدت هيكلة القطاع الصحي لتصبح الغلبة للقطاع الخاص في عدد المستشفيات ولكن لا يزال القطاع الحكومي يملك العدد الأكبر من الأسرة ، ومن المهم ان تدرك وزارة الصحة أن البشر أهم من الحجر ، وأن توافر المباني والأجهزة الحديثة لا تكتمل قيمته بدون توافر الطبيب والممرض ، وأنه بدون توافر العنصر البشري يصبح الانفاق الحكومي علي الصحة في خطر وتلك مشكلة سياسات وليست مشكلة إنفاق صحي فقط.

التعليقات متوقفه