عن العمل واللعب… (تأملات في فيلم الحريف)

98

كتب: محمد كرم

 

يتجسد وعي الطبقة الوسطى لمخرجي أفلام “الواقعية الجديدة” عامةً، والمخرج “محمد خان” خاصةً، فيما كشفه بعض النقاد من ملاحظات ذكية في فيلم “الحريف”؛ فموقع الطبقة الوسطى بين الطبقة العاملة والطبقة العليا يجعلها ممزقة بينهما؛ تخاف السقوط وتتطلع للصعود، لكن الغالبية من أفرادها يظلون في مرحلة الما بين، وقليل منهم يصعدون، كذلك بطل الفيلم “فارس” الذي قام بدوره الفنان “عادل إمام”؛ فهو نصف لاعب كرة ونصف زوج ونصف أب ونصف ساكن ونصف عامل؛ إذ كان لاعباً في نادي “الترسانة”؛ لكنه تشاجر مع مدربه وترك النادي واتجه للساحات الشعبية، ورغم أنه رياضي إلا أنه يدخن بغزارة، وكان زوجاً وأباً لولد وحيد؛ لكنه تشاجر مع زوجته وانفصل عنها، وهو من سكان عمارة عريقة في وسط البلد؛ لكنه في غرفة فوق سطحها، وهو عامل ماهر في ورشة تصنيع أحذية؛ لكنه لا يبذل جهداً منتظماً في العمل يكسبه صفة “عامل أحذية” أو يمكنه من الترقي المهني.

لاحظ بعض النقاد أيضاً نقطة قوة سينمائية تميّز الفيلم؛ فالأحداث الساخنة مثل المشاجرة مع المدرب والزوجة، قد انتهت قبل بداية الفيلم، فالفيلم لا يعتمد على الأحداث بقدر ما يعتمد على الشخصية، فحدث جريمة القتل في الفيلم مثلاً لا يأخذ مكانة مركزية فيه، وموجود على هامشه. وكذلك لا يعتمد الفيلم على الحوار بقدر ما يعتمد على اللغة البصرية؛ فالجمل الحوارية لبطل الفيلم “فارس” قليلة قياساً بتعبيرات وجهه. ففارس يستحق لقب “البطل المتكتم”. وإذا رصدنا تعبيرات وجه البطل سنلحظ أنها تتأرجح بين الحزن والغضب أكثر من التعبيرات الإيجابية كابتساماته القليلة التي كانت غالبيتها لابنه الصغير.

في المراهنات على الخيول يتم الرهان بأسماء الخيول وليس بأسماء الفوارس، لكن في فيلم “الحريف” يتم الرهان على الفارس؛ فالبطل “فارس” لا يلعب في الساحات الشعبية للمتعة فقط؛ لكنه في الأساس يُستغَل من رجل أعرج، مقاول مراهنات، “الاسكندراني”، الذي قام بدوره الفنان “عبد الله فرغلي”، الذي يراهن عليه وسط مراهنين كثر، وبالطبع لأن “فارس” هو “الحريف” كان “الاسكندراني” يكسب الرهان عادةً، ويعطي لفارس قليلاً مما كسبه. وإذا رصدنا تعبيرات وجه “فارس” في المباريات الأولى سنلحظ أن فرحته بالفوز قليلة، ويغلب على وجهه التجهم والجمود.

كانت قضية “اغتراب العمل الاجتماعي” موضع نقد فيلسوف مدرسة فرانكفورت “هربرت ماركوزة” لـ “كارل ماركس” الشاب؛ فقد رأى ماركس الشاب أنًّ الإنسان يغترب عن نفسه وفاعليته الإنتاجية الخلاقة في العمل الاجتماعي عندما ينتج السلعة، فهو ينفصل عن ذاته وإنتاجه بعد إتمام عملية الإنتاج بفعل علاقات الإنتاج الرأسمالية التي تمكن الرأسمالي من امتلاك إنتاجه بتحويله إلى سلعة يأخذ ربحها ويعطيه أجراً ضئيلاً يكفي بالكاد لسد رمقه. فالعامل (خالق الرأسمال) يغدو تابعاً للمخلوق (الرأسمال) بفعل مالك المصنع (الرأسمالي). ورغم أنّ العمل الإنتاجي الخلاق هو جوهر الإنسان، بالتالي من المفترض أن يكون مصدر سعادته، إلا أنه في الرأسمالية يغدو مصدر تعاسته؛ فيجد نفسه في أمور بعيدة عن جوهره الإنساني: الراحة من العمل، الأكل، الجنس. بالنسبة لماركس يتحقق الخلاص من الاغتراب بتحرير العمل الاجتماعي من علاقات الإنتاج الرأسمالية الاستغلالية، فخلاص الإنسان في العمل الجماعي الخلاق الحر. على العكس رأى “ماركوزة” أنًّ الاغتراب ليس في علاقات الإنتاج الرأسمالية، والخلاص ليس في العمل المتحرر من استغلاليتها؛ لكن الاغتراب في العمل الإنتاجي ذاته، فالعمل المنتِج بطبعه مغترِب، وخلاص الإنسان من الاغتراب يكون بالتوقف عن العمل والإنتاج والتوجه للّعب!

لكن فيلم الحريف يكشف، على عكس أطروحة “ماركوزة” المراهقة، أنًّ الرأسمالية تجعل اللعب مغترباً أيضاً، فاللاعبون في الفيلم هم أدوات لمافيا المراهنات، وتلك معاناة “فارس” الأساسية، فـ”الحريف” تابع للأعرج، وهو وقد ضجر من استغلاله؛ يقسم له أنه على استعداد أن يقطع قدمه طالما هي التي تخضعه للاستغلال، ويصير أعرج مثله.

يحاول “فارس” المناورة والتحايل على مُستغلّه؛ فعندما يجلب له الأعرج مباراة في بور سعيد، يسافر ويعقد صفقة مع مراهن من تجار الانفتاح على الفريق الخصم، يخسر “فارس” المباراة متعمداً، ويقبض الثمن، يحزن “الأعرج” ويشعر بخيانة “فارس” له، تتحول ملامح وجه “فارس” للراحة البسيطة التي يشعر بها من حقق انتصاراً شخصياً صغيراً. لكن لم تفلح المناورة، فالمراهنون على الفريق الذي قاده للخسارة متعمداً سيقطعون طريقه بعصا يضربون بها قدمه، ويأخذون ثمن المباراة التي باعها لأخصامهم من المراهنين.

إن “فارس” يصر على تمرده على ما يحيط به ولو بالتعبير عن نفسه بالقول، فيغضب من عشيقته عندما وصفته بأنه يجري وراء طليقته وما زال يحبها ويقول لها إنه لا يجري وراء أحد، ويوضح لأبيه سبب غضبه من طليقته؛ فهي تريده أن يخضع لها ويتنازل عن روحه المتمردة التي قادته لترك نادي الترسانة وضرب مدربه الذي من الأكيد أراد إخضاعه أيضاً. وأحياناً يمارس تمرده بأفعال بسيطة مثل هربه من الجندي الذي أتى لغرفته كي يأخذه لضابط القسم، رغم أن هذا التمرد لا يؤدي لشيء، فهو انتصار صغير شخصي لروح اللاعب داخله؛ إذ عندما هرب من الجندي، رجع الجندي للقسم كي يبلغ الضابط أن المطلوب هرب منه، وعندما فتح باب غرفة الضابط وجد “فارس” جالساً معه.

سيدرك “فارس” حقيقة كونه نصف لاعب عندما يذهب مصطحباً ابنه لمباراة في “البراجيل” ويجد “حريفاً” آخر: “مختار”، الذي قام بدوره الفنان “عبد الله محمود”، يعجز “فارس” عن الفوز أمامه متعللاً بأن اللاعبين صحتهم جيدة ويلومه “الأعرج” على التدخين.

يحاول “فارس” أن يتجاوز موقعه في “الما بين” ويحسن وضعه الاجتماعي، لكي يتخلص من كونه نصف زوج ونصف أب، فيستجيب لاستقطاب زميل ملعب قديم لكنه أقل منه في المهارة، ترك اللعب واتجه للتهريب الذي تفشى وصار مألوفاً بعد سياسات الانفتاح الاقتصادي، يتضح من إيماءات زميله متوسط المهارة هذا أنه يحقد عليه ويريد أن يجعله تابعاً له بعدما كان تابعاً للأعرج، لكن فارس سيوافق على العرض، ويتسلم منه سيارة لزوم الوظيفة الجديدة.

يقودها متجولاً في المدينة، يقابل “الأعرج” والحريف الجديد “مختار”، يتوقف لهما، يدرك أنه أخذ دوره؛ فيحذره من استغلال “الأعرج” بابتسامة. يكمل قيادة السيارة بعصبية ليجد نفسه في طريق مسدود.

يدرك ” فارس” أن عليه أن يضحي بكونه نصف لاعب ويتخلى عن اللعب تماماً. يصالح طليقته ويردها، لكنه يصمم أن يلعب المباراة الأخيرة، “ماتش الوداع”، تلك المرة لن يكون فارس أداة لمراهنات الأعرج؛ وهذا التحرر من الاستغلال سيجعله يلعب أفضل مباراة في الفيلم، لدرجة أنه بدأ اللعب من منتصف المباراة، واختار أن يلعب مع الفريق الخاسر أمام ” مختار” حريف البراجيل الذي خسر أمامه من قبل، بفارق أربعة أهداف، يلعب فارس “ماتش الوداع” بحرية دون استهداف المال ودون خضوع للاستغلال، يحرز أربعة أهداف ولا يكتفي بالتعادل؛ فيحرز الخامس، ويحقق الانتصار الشخصي الأعظم في الفيلم. يجري الجمهور للاحتفال بفارس مزيحين غطاء رأس الأعرج الذي كان يغطي رأسه طوال الفيلم.

إن نقطة التميز في فيلم الحريف أنه رغم السعادة التي يشعر بها المشاهد من الانتصار الشخصي الكبير الذي حققه “فارس” لنفسه وتخلص به من الاغتراب وقتياً؛ إلا أن الفيلم يردّه للواقع في النهاية بعدما أجاب فارس عن سؤال ابنه: ” مش هاتلعب كورة تاني يابا؟” بأن “زمن اللعب راح”. فاللعب صار أداة للاستغلال، و”الفارس”، رغم أنه سيصعد طبقياً، في طريقه لاستغلال من نوع آخر تحت “أعرج” آخر وإنْ كان يمشي على قدمين!

التعليقات متوقفه