لم يكن من المتصور أن يأتى وفدا حركتى حماس والجهاد الإسلامى إلى القاهرة بدعوة منها خلال الأيام القليلة الماضية ، دون أن تكون لدى الجانب المصرى رؤية لبحث الطرق الممكنة لوقف الحرب الإسرائيلية الوحشية على الشعب الفلسطينى فى غزة والضفة، التى أوشكت على اتمام شهرها الثالث .ولم يكن من المنطقى بطبيعة الحال، ألا يكون الطرف المصرى ، قد ناقش رؤيته مع الجانب الإسرائيلى، للشروط التى تفضى إلى وقف الحرب، بعدما قبلت حماس والجهاد الإسلامى بعد السابع من أكتوبر بالوساطة المصرية، وساهم الموقف المصرى الصارم منذ اللحظات الأولى لبدء الحرب برفض توطين أهالى غزة فى سيناء ، أو التهجير القسرى لهم فى دعم موقف المقاومة .
وبعد نحو أسبوعين من بدء الحرب، تمكن مؤتمر القاهرة الدولى للسلام، الذى دعت إليه مصر،
من تعديل الخطاب الدولى بشأن غزة ، والذى كان قد اصطف بقوة ودون أدنى تحفظ وبدعم مالى وعسكرى ودعائى وراء نيتنياهو، وتبنى بشكل مطلق السردية الإسرائيلية الملفقة حول الحرب . وكما بات معروفا، طرح المؤتمر للمرة الأولى مبدأ الوقف الفورى لإطلاق النار، والعمل على دخول دائم للمساعدات الإنسانية إلى القطاع ، ثم الانتقال بشكل عاجل للتوصل إلى تسوية شاملة للقضية الفلسطينية، تقوم على حل الدولتين .وكانت تلك القضية قد اختفت منذ عقود من جدول اهتمامات المجتمع الدولى، بسبب الانقسام الفلسطينى من جانب، والذى تعزز بإنقلاب حماس على السلطة الوطنية الفلسطينية قبل 16 عاما ، والتعنت الإسرائيلى من جانب آخر، الذى بدأ مخطط رفض الدولة الفليسطينية بالتوسع فى سياسة الاستيطان ، وتحفيز الهجرة الفلسطينية للخارج، ومواصلة التطبيع المجانى للعلاقات مع الدول الخليجية، بعد أن روج نتينياهو لمبدأ السلام مقابل السلام وليس مقابل الأرض !
وما أن نشرت بعض المواقع الإخبارية العربية ما قالت إنه نص المبادرة الجديدة التى طرحتها مصر على حركتى حماس والجهاد الإسلامى، حتى بادرت الحركتان بإعلان رفضهما للمبادرة. ليس هذا فحسب، بل أخذت المواقع الإعلامية والصحفية المؤيدة لهما فى الهجوم على السياسة المصرية والقيادة المصرية، مجددين بذلك أشكالا من المواقف المعهودة ، فشلت جميعها فى تحقيق أى هدف لصالح القضية الفلسطينية، أو لتخفيف الضغوط العاتية على أهل غزة لمجرد مواصلة الحياة .ليس هذا فقط، بل هى لم يثبت فى أى من تلك المواقف منذ العام 1967 وحتى اليوم، أنها نجحت فى تغيير الموقف المصرى الثابت القائم على دعم القضية الفلسطينية بوصفها جزءا لا يتجزأ من أمن مصر، وهو هجوم لا يستفيد منه سوى نتنياهو الذى يدافع عن بقائه فى السلطة، بمواصلة حربه المسعورة على شعب بأكمله .
وللذكرى التى قد تنفع من يتعلمون من تجارب التاريخ ،لاسيما منها التجارب الفاشلة ، فقد كانت الأنظمة العربية الموصوفة بالثورية ودول الصمود والتصدى ، هى أكثر الدول التى استخدمت القضية الفلسطينية فى معارك داخلية للصراع على السلطة، وذهب بعضها لانشاء منظمات فلسطينية للمقاومة داخل أراضيها ، تعددت اسماؤها، لم يكن مسموحا لها بالحركة أو العمل بحرية إلا طبقا للسياسات التى تحددها حكومات تلك الدول. وكانت مصر هى الدولة العربية الوحيدة التى لم تقدم على ذلك، وفيما سعت تلك الدول على تشجيع الإنقسام داخل منظمة التحرير الفلسطينية، كانت مصر تحرص على وحدة الصف الفلسطينى داخلها كممثل شرعى وحيد للشعب الفلسطينى . وفى المشهد الراهن ، كان الموقف المصرى وراء النص فى قرار مجلس الأمن الأخير على إدخال المساعدات الإنسانية إلى غزة عن طريق البر والبحر والجو ،دون عقبات، وتعيين مبعوث أممى لجعل إدخال المساعدات أمر نفاذا .
من الطبيعى أن تختلف المواقف والاراء بشأن المبادرة المصرية حتى يتم القبول بها أو تعديل بعض نصوصها من قبل جميع الأطراف المعنية . لكن من غير الطبيعى أن ترفض المبادرة جملة وتفصيلا ويجرى التشهير بأهدافها، و حماس والجهاد أول من تعرفان مدى خسارتيهما إذا ماتخلت السياسة المصرية عن دورها الوسيط فى تلك المسألة .ويمكن إيجاز المبادرة المصرية فى الدعوة إلى وقف كامل لإطلاق النار من الجانبين وإعادة انتشار القوات الإسرائلية بعيدا عن المبانى السكنية ، والسماح بحرية الحركة للمواطنين من الجنوب للشمال، ووقف النشاط الجوى الإسرائيلى، وتكثيف إدخال المساعدات الإنسانية والإغاثية للقطاع ، والافراج عن الأسرى والمحتجزين من قبل الجانبين .كل هذا وغيره مما يصعب فهم رفضه .
لكن الصعوبة فى الفهم سوف تنتفى إذا كانت المبادرة تنطوى على نص يقول أن مصر وقطر والولايات المتحدة لأمريكية تتولى حال إعلان وقف الحرب بشكل نهائي، مسئولية تنفيذ الاتفاق والتنسيق لتشكيل حكومة تكنوقراط غير حزبية تتولى إدارة الضفة والقطاع فى اليوم التالى لوقف القتال، وهو ما يعنى إبعاد حماس عن العودة لحكم غزة . وعلى ضوء ذلك ترفض الحركتان المبادرة ، ووترفضان مبدأ الهدنة المؤقتة والتبادل الجزئى للأسرى، وتطالبان بصفقة تبادل واحدة على قاعدة الكل بالكل، والانتقال فورا إلى إعادة الإعمار.ولا مانع من فرض الشروط والتشدد لتحسين النتائج النهائية للتفاوض من أجل التسوية ، لكن المؤكد أن اختلاق معارك جانبية مع مصر وقيادتها ليس فى صالح الشعب الفلسطينى ولا القضية الفلسطنية ،لا الآن ولا فى الماضى ولا المستقبل.

التعليقات متوقفه