من يدعم من.. الدولة أم المواطن؟

92

تفترض جدلية العلاقة بين الدولة والمجتمع، عند إقامة علاقة صحيحة بين الطرفين، ألا تعتبر الدولة نفسها فوق المجتمع أو بديلا عنه، وألا تعتبر نفسها فوق السوق أو بديلا عنها باستثناء مسؤوليتها عن تنظيمه، كما تشترط في العلاقة ذاتها أن تكون مؤسسية، تتم عبر تفاعلات صحية بين الطرفين، بما في ذلك وأهم من كل شيء عملية صنع القرار. وإذا اعتبرت الدولة أن المجتمع خادم لها، وأنها صاحبة السيادة عليه، فإن ذلك يكون بداية لتدهور الدولة (بمعنى مؤسسات الحكم) والمجتمع معا. ولنا في تجربة سقوط الدولة السوفييتية وتفكك المجتمع في نهاية الثمانينيات من القرن الماضي دروسا نتعلم منها.

ويكشف الجدل الدائر حاليا حول مسألة “الدعم” فهما غير صحي للعلاقة بين الدولة والمجتمع، وبين الدولة والسوق، الأمر الذي يعبر عن تشوهات بالغة في الوعي والسلوك. الخطير في هذا الفهم أن تعتقد الدولة أنها شركة قابضة تهدف للربح الخاص، وأن المجتمع أو قسما منه قد تحول إلى ثقب كبير في جدار السياسة الاقتصادية، تنفذ منه أسباب الفشل والعجز عن تحقيق الأهداف. وبناء على  هذا الفهم فإن الدولة تعتقد اعتقادا قويا بأن المجتمع في حاجة إلى الانضباط وفقا لمعايير جامدة، منها ضبط الاستهلاك الخاص، بالإقلال من المزايا التي يحصل عليها غير القادرين، باعتبار أنهم عالة على الدولة. هذا الفهم ينطوي على خلل أخلاقي، لأنه يتحامل على الضعيف غير القادر لمصلحة السلطة القادرة، التي أصبح همها الأول الآن هو ضبط دفاترها المالية، طلبا لرضا صندوق النقد الدولي وجمعية الدائنين الدوليين.

ونظرا لخطورة فهم العلاقة بين الدولة والمجتمع على النحو السابق، يصبح من الضروري الكشف عن خطاياه، والسعي لبيان صحيح العلاقة بين الطرفين، والعمل على إصلاحها. وذلك بمحاولة الإجابة عن ثلاثة أسئلة بسيطة في مسألة الدعم:

السؤال الأول: هل حقا يمثل الدعم وجه الخلل الجوهري في مالية الدولة؟ إذا كان الأمر كذلك، تكون الدولة على حق، ويجب فعلا إصلاح الخلل لأن في ذلك مصلحة الدولة والمجتمع على السواء.

السؤال الثاني مُرَكّب ويتضمن: هل حقا أن الدولة تدعم المواطن أم الحقيقة هي أن المواطن هو الذي يدعم الدولة؟ وإذا كانت الدولة تدعم المواطن، هل يدخل هذا الدعم داخل نطاق المسؤولية الاجتماعية للدولة؟ وإلى أي حد يمكن تنظيمه؟

السؤال الثالث، لكن بما أننا نواجه معضلة حقيقية في تصحيح العلاقة بين الطرفين، نتيجة وجود خلل جوهري في مالية الدولة، هل توجد بدائل أخرى غير تخفيض الدعم سنة بعد سنة، أو تحويله إلى دعم نقدي لتخفيف العبء عن الميزانية العامة للدولة؟

ما يدخل في نطاق دعم المواطن وما يخرج عنه؟

قبل أن نبدأ في الإجابة عن تلك الأسئلة الثلاثة وما يتفرع عنها، من الضروري منطقيا أن نحدد بالضبط عن ماذا نتحدث. ومع أننا نتحدث عن موضوع “الدعم”، إلا أننا قد نختلف فيما هو المقصود تحديدا به. وإذا نظرنا في تفاصيل مصروفات الباب الرابع للموازنة العامة للدولة وهو “باب الدعم والمنح والمزايا الاجتماعية” الذي تبلغ قيمته 636 مليار جنيه، نجد أن قيمة الدعم تبلغ  370 مليار جنيه بنسبة 58%، كما يشمل الباب بنودا أخرى غير الدعم منها المزايا الاجتماعية، بقيمة 198 مليار جنيه بنسبة 31%، والمنح بقيمة 21.6 مليار جنيه بنسبة 3.4% واحتياطيات عامة في الباب بقيمة 47 مليار جنيه بنسبة 7.4%.

وعلى ذلك، فإن قيمة الدعم في مشروع الموازنة للسنة المالية الجديدة تعادل 58% فقط من إجمالي مصروفات الباب الرابع بقيمة 370 مليار جنيه. ثم نسأل أنفسنا بعد ذلك ماذا تقصد الدولة بالدعم؟ هل هي تقصد دعم المستهلكين أم إنها تقصد دعم المنتجين ودعم المصدرين؟ وهل تقصد الدعم المباشر أم الدعم الضمني؟ ونجد في بنود الدعم أن أكبرها قيمة هو بند دعم المواد البترولية بقيمة 154.5 مليار جنيه بنسبة 42% تقريبا، يليه دعم السلع التموينية كلها بقيمة 134 مليار جنيه بنسبة 36.2% من قيمة الدعم الكلي. أي أن مجموع دعم المواد البترولية والسلع التموينية يكلف الموازنة العامة للدولة 288.6 مليار جنيه، بنسبة 78% من الدعم، وما يعادل 7.5% من المصروفات الكلية في الموازنة، وما يعادل 1.7% تقريبا من الناتج المحلي الإجمالي (مقدرا بحوالي 17 تريليون جنيه). وإذا ما حسبنا نصيب دعم المواد البترولية من الناتج نجده يبلغ 0.9%، بينما يبلغ نصيب دعم السلع التموينية من الناتج 0.8%.

وماذا عن ديون الحكومة؟

نحن إذن في هذه الضجة عن الدعم الذي يحصل عليه المستحق وغير المستحق، الأفراد ومؤسسات الدولة، نتحدث عن أقل من 2% من الناتج و 7.5% من المصروفات، ونتجاهل بنودا أكبر وأشد خطورة مثل الفوائد على ديون الحكومة.

وتبلغ قيمة الفوائد على ديون الحكومة في السنة المالية الجديدة 1834 مليار جنيه، تبتلع وحدها حوالي 47% من المصروفات الكلية و 10.7% من الناتج، أي أكثر من 5 أمثال نصيب دعم السلع التموينية والمواد البترولية معا، وأكثر من 13 مثل نصيب دعم السلع التموينية فقط، وأكثر من 18 مثل دعم رغيف العيش! فهل تستقيم هذه الضجة بشأن الدعم أو دعم رغيف العيش مع  العبء الذي يتحمله دافعو الضرائب بسبب ديون الحكومة؟ وإذا أضفنا أقساط سداد الديون إلى الفوائد فإنهما معا يبتلعان خُمس الناتج المحلي الإجمالي سنويا، وكأننا نخسر كل الناتج المحلي مرة كل خمس سنوات! حقيقة الأمر هي أن الثقب الكبير والخلل الجوهري في مالية الدولة هو الدين الحكومي وليس الدعم. هذه كانت إجابتنا عن السؤال الأول. ولا تزال لنا فيه ذلك ملاحظات أخرى، نكملها في مقال قادم بإذن الله.

التعليقات متوقفه