مكان داخل المكان ودولة داخل الدولة

27

عندما كتب المخرج المصري “محمد خان” مع السيناريست “فايز غالي” قصة فيلمه الأول “ضربة شمس” 1980، متأثِّرًا بفيلم “تكبير صورة” 1966 للمخرج الإيطالي “مايكل أنجلو أنطونيوني”؛ كتبه في دوائر متقاطعة، كل دائرة تشرح ما قبلها دون حاجة إلى جمل حوارية كثيرة. أما قصة فيلم “تكبير صورة” فتبدو مكتوبة على هيئة خيوط دقيقة تُرى بالكاد، غير مترابطة، متروكة للذكاء الجمالي للمشاهد كي يكتشفها ويعقد الصلة بينها. يكشف ذلك أنَّ “محمد خان” لم يستنسخ أسلوب “أنطونيوني” في فيلم “تكبير صورة”، ضاربًا بعرض الحائط وعي الجمهور المصري الذي لا يألف هذا الأسلوب السينمائي الحداثي؛ بل تمثَّله، مضيفًا إليه وحاذفًا منه، بما يناسب طبيعة مجتمعه ووعي الجمهور الذي سيقدم له تجربة سينمائية جديدة.

شجون غربية وهموم مصرية

يكتشف البطل “توماس”، الذي يعمل مصوِّرًا، في فيلم “تكبير صورة”، بالصدفة، جريمة قتل حدثت في حديقة كُلِّف بالتصوير فيها؛ إذ التقط صورًا لرجل وامرأة في علاقة حب، وصورًا لنظرات غريبة للمرأة، ثم التقط، دون قصد، صورة لجثة الرجل ولقاتله المختبئ وراء الأشجار لم تتضح إلا بعد تكبيرها. يحاول حل لغز الجريمة، لكن، بطريقة غامضة، تختفي الصور من الاستديو الخاص به وتختفي الجثة من مسرح الجريمة؛ فيفشل في حل اللغز ويستسلم بعدمية للأمر.

أما في “ضربة شمس”، فالبطل – الذي يعمل مصوِّرًا أيضًا – يكتشف في أثناء تصويره جريمة قتل يحل لغزها ويتخلص من المجرمين بعدما يكتشف العالم السفلي لطبيعة أعمالهم.

عبَّر “أنطونيوني” في فيلم “تكبير صورة” عن شجون الإنسان الغربي في المجتمع الحديث واغترابه، أما “خان” فقد عبَّر في “ضربة شمس” عن هموم الإنسان المصري في عصر الانفتاح واضطرابه. لعل المثال الأبرز على ذلك في الفيلم هو قتل عصابة تهريب الآثار لـصديق البطل “فتحي” (فاروق فلوكس) الذي تتلخص كل همومه في شراء ملابس جديدة لأطفاله.

النحت في المكان والحفر في المجتمع

إذا كان “النحت في الزمان” هو العنوان الأشمل للمشروع السينمائي للمخرج الروسي “أندريه تاركوفسكي”، وهو العنوان الذي اختاره لكتابه؛ ذلك أن الحبكات التشويقية والشخصيات الجذابة قد غابت عن أفلامه لصالح اهتمامه بـ “الزمان” – فـ “النحت في المكان” يصلح عنوانًا شاملًا لأفلام المخرج الإيطالي “مايكل أنجلو أنطونيوني”؛ إذ تغيب الحبكات والصراعات الدرامية عن أفلامه وتُهمَّش الشخصيات فيها لصالح “المكان”. أما المخرج “محمد خان” فتُهمَّش الأحداث في معظم أفلامه لصالح “الشخصية”، وقد بدأ احتراف الإخراج في مرحلة فارقة في تاريخ المجتمع المصري ومؤثرة بشدة في الشخصية المصرية؛ مرحلة “الانفتاح الاقتصادي”، التي تعكس هزيمة البطل “جمال عبد الناصر” وسقوط مشروعه الاستقلالي لصالح التبعية للقطب الرأسمالي الأمريكي؛ فاتخذ “خان” من المجتمع المصري، الذي يفتقر إلى “البطل”، مادة خام حفر فيها ليستخرج حقائقها الواقعية ويبدع منها شخصيات تقاوم آثار تلك الهزيمة، وإن كانت تلك الشخصيات لا تنتصر إلا انتصارات مبتورة أو رمزية.

سلبية في مجتمع متقدم وإيجابية في مجتمع متخلف

يبدأ فيلم “ضربة شمس”، سيناريو “فايز غالي” وقصة وإخراج “محمد خان”، من حيث انتهى فيلم “تكبير صورة”، لكن بشكل مغاير؛ فالبطل في “تكبير صورة” يعجز عن حل جريمة القتل لاختفاء الصورة التي التقطها للقاتل والجثة بشكل غامض؛ أما في “ضربة شمس” يقول البطل “شمس”، الذي يعمل مُصوِّرًا في جريدة (قام بدوره نور الشريف) لحبيبته “سلوى” (قامت بدورها نورا) إنه كَشَف لغز جريمة قتل دون أن يقصد، في أثناء تصويره، وقدَّم الصور لصديقه الضابط “حسين الشربيني”، فيقبض على القاتل. ينتبه الضابط لمهارات صديقه في التصوير؛ فيستخدمه لكشف لغز جريمة أخرى دون أن يخبره، فيأمر رئيس تحرير الجريدة أن يرسله إلى حفل زفاف تُدار فيه من الباطن عملية تهريب آثار؛ لكن “شمس” يكتشف في أثناء تصويره أمورًا غريبة تجري في الحفل، فيصوِّرها، ثم يعرف في اليوم التالي خبر مقتل أحد الحاضرين الذين أبلغوا عن العصابة “توفيق الدقن”؛ فيسير وراء ما كشفته له الكاميرا، ويتتبع عصابة المهربين، لمحاولة كشف أمرهم، بالتوازي مع تتبع صديقه الضابط لهم، ويكتشف عالمًا قاتمًا من الإجرام العتيد لا تقدر الدولة بمفردها على التصدي له.

لم يظهر المجرمون تقريبًا في فيلم “تكبير صورة”؛ أما في “ضربة شمس” فهم يظهرون لكن دون جمل حوارية تقريبًا؛ فلم يتحدث أحد منهم سوى الفنان “مجدي وهبة” بجمل حوارية قليلة، أما زعيمة العصابة، الفنانة “ليلى فوزي”، فلم تتحدث قط. كان غياب العصابة عن أحداث فيلم “تكبير صورة” غيابًا فنيًا ينحّي سخونة الأحداث لأغراض جمالية خالصة. وفي “ضربة شمس” كان صمت العصابة فنيًا، أما ظهورهم فكان اجتماعيًا؛ لكشف جرائم تحدث في المجتمع المصري، ولمراعاة وعي الجمهور، الذي لن يستسيغ غياب العصابة التام، في الوقت نفسه.

يصف “شمس” العصابة لحبيبته بأنهم “دولة داخل الدولة”. وهذا وصف مناسب تمامًا للمجتمع المصري الذي لم يصل إلى التكوين الحداثي لدولة القانون؛ فتكونت داخله فئات وعصابات تُمثّل دولًا مستقلة بذاتها. وإذا كان “أنطونيوني” في مشروعه السينمائي قد تخللته شجونٌ جمالية أوروبية دفعته إلى النحت في المكان ليبدع مكانًا داخل “المكان”؛ فـ “محمد خان” رغم تأثره الجمالي العميق بـ “أنطونيوني” كان مُحمَّلًا بهموم واقعية مصرية؛ إذ حفر في المجتمع في معظم أفلامه، ليكشف في أعماق المجتمع دِولًا داخل “الدولة”، ويظهر ذلك في عصابة الآثار في “ضربة شمس” ومافيا توظيف الأموال في “فارس المدينة” وسماسرة مراهنات كرة القدم في “الحريف”.

يحنَّ بطل فيلم “تكبير صورة” إلى عصور ما قبل الحداثة التقنية؛ فيزور محل أنتيكات من العصر الكلاسيكي ويشتري قطعة أثرية دون غرض محدد، وينخرط مع فتاتين في لهو شبقي ينتمي إلى نظام ما قبل العلاقات الأحادية، ويتعامل بفظاظة مع موديلات الإعلانات اللاتي يُصوّرهن، ويعجز عن الفاعلية والاندماج في العصر الحديث الذي يصيبه بالاغتراب؛ فالبطل هنا – أو اللا بطل- سلبي في مجتمع حديث. أما “شمس” فهو بطل إيجابي في مجتمع غير حديث؛ إذ إنه سيتغلب على العصابة ويحبط عملية تهريب الآثار، لكنه لن يشعر بنشوة الانتصار؛ حيث إنه شعر بالمهانة عندما اكتشف أنَّ صديقه الضابط استخدمه دون أن يخبره للقبض على عصابة التهريب، وحَزَنَ لأنه تعامل معه بوصفه آلة دون عقل. فالتعامل السلطوي الأمني مع الأفراد باعتبارهم آلات لا ينتمي إلى المجتمعات الحداثية التي تعامل أفرادها باعتبارهم أصحاب عقول مستقلة.

قد يشير انتصار البطل على العصابة وعدم شعوره بنشوة الانتصار في الوقت نفسه إلى “نصر أكتوبر” 1973 الذي أعقبته الإحباطات الاقتصادية والاجتماعية لعصر الانفتاح، وكذلك يفسِّر ازدواجية معنى عنوان الفيلم “ضربة شمس”؛ فـمن الممكن أن يعني ضربة البطل للعصابة وإحباطه لتهريب الآثار، ومن الممكن أن يعني أيضًا الحالة التي تصيب الإنسان في الحر الشديد وتُسبب الغثيان والدوار، مثل الدوار الذي شعر به “شمس” بعد اكتشافه لعالم الإجرام في مصر من خلال العصابة، والغثيان الذي أصابه بعدما عرف أن صديقه الضابط قد أورطه معهم دون أن يخبره.

محمد كرم

التعليقات متوقفه